جهنّم كما زاروها

جهنّم كما زاروها

الجحيم مكان لم يزره أحد، هو أسلوب الترهيب الذي يمارسه الإله على الخاطئين والعصاة. تفيض الكتب السماوية، وبالأخص الديانات الإبراهيمية، بوصف الجحيم (جهنم)، مع ذلك ما زالت الرحلة إلى جهنم مثيرة للكثيرين. بعيداً عن النصوص الدينية، كان لجهنم أشكالٌ متعددة قدمها فنّانون وكتاب كبار جعلوا فيها العذابات تتفق مع الصيغة والخطاب الذي كان سائداً في فترة ما.

جحيم المعريّ- عام 1033

اعلان


تُعد “رسالة الغفران” لأبي العلاء المعري من أكثر كتب التراث العربي إثارة للجدل، إذ ألّفها المعرّي رداً على رسالة كتبها ابن القارح له، يصف فيها أحوال الشعراء في الجنة وفي جهنم. يلعب المعري دور الراوي جاعلاً من ابن القارح الشخصية التي تتجول في رياض الجنة وسعير جهنم. يلتقي الأخير الشعراء الذين باتوا في جهنم واصفاً أحوالهم ومناظراً إياهم في ما قالوا من شعر وفي أسباب تخليدهم في جهنّم. الجحيم التي قدّم المعري صورتها لا تقوم على أساس التصوير الحسي للعذاب بصورة مبالغ فيها، بل يكتفي بالقليل ليتعمق في الأسباب التي قد تودي بأحدهم للوصول إلى جهنم. التركيز على الشعراء يجعل المعرّي ينتقد الوضعية القائمة في تلك الفترة بوصف الشعراء من الغاوين، وهم الأكثر جرأةً على المقدسات، والنقاشات التي دارت بين ابن القارح وبين من التقاهم في جهنم هي أقرب لجدالات شعرية وفقهية ولغويّة. ما يميز جحيم المعري هو فتحه باب النقاش، فأهل جهنم هناك يتبادلون الكلام وكلّ منهم يحاجج بما لديه.

جحيم دانتي- عام 1308

تعدّ رائعة دانتي Dante “الكوميديا الإلهية” من أكثر الكتب شهرة في مجال اللاهوت والعالم الآخر، والرؤية المتماسكة التي تقدّمها، جعلتها تنتمي إلى الأدب الخالد. كوميديا دانتي من ثلاثة أجزاء، أولها (الجحيم) Inferno، محطة لبداية رحلته إلى العالم الآخر.

في جحيم دانتي كل شيء مقسم بدقّة، كل خطيئة لها عقابها. مشهديّة عالية تلك التي يقدمها تجعل القارئ يتحسس فعلاً تفاصيل الجحيم. هو عذاب جسدي متعدد الأشكال وموصوف وصفاً مفصّلاً بالاستناد إلى التراث المسيحي وتراث عصر النهضة، بالإضافة إلى لغة شعرية تجعل الجحيم تنبض بسعيرها. جحيم دانتي تضجّ بالشخصيات التاريخية (المحلية، الأوروبية وحتى العالمية)، وهي مرتبطة بالتراث المشرقي. يظهر تأثّر دانتي بأبي العلاء المعري في رسالة الغفران، بالإضافة إلى وجود آثار من التأثيرات الإسلامية، إذ يصوّر دانتي النبيّ محمّد إلى جانبه علي ابن أبي طالب في أحد حُفر الجحيم بوصف محمد بن عبد الله زارعاً للتفرقة بين الناس. الجحيم عند دانتي تعكس القيم الدينية المسيحية التي كانت سائدة في العصور الوسطى. يستمد من الخطايا التي يعاقب عليها الدين المسيحي ليقدم تصوراً متخيلاً عن مصير الخطأة ومخالفي الأعراف في تلك الفترة عندما كانت الكنيسة في أوجها.

جحيم سارتر- عام 1944

ظهر تيّار الوجوديّة ليعيد تحديد علاقة الإنسان مع الكون ومع نفسه والآخر. وكان لمنظّر الوجودية الفرنسي جان بول سارتر Jean-Paul Sartre النصيب الأكبر في شهرة هذا التيار. تعدّ مسرحيته "جلسة سريّة" من أكثر المسرحيات المعاصرة تصويراً للجحيم بصورة مغايرة وأصيلة، إذ قدّم سارتر الجحيم بوصفها بعيدة عن العذاب الجسدي وتحويلها إلى معضلة أنطولوجية لتشتهر عبارة الجحيم هي الآخرون L'enfer, c'est les autres مختزلةً الجحيم الوجودية. في جلسة سريّة، نرى سارتر يجمع ثلاث شخصيات في غرفة صغيرة من طراز الإمبراطورية الفرنسية الثانية لتدور بينهم حوارات في مواضيع مختلفة، يتبين فيها للقارئ أن الجحيم مرتبطة بالآخر الذي يستنزف الإنسان. جحيم سارتر ناتجة من موقف من الكون وعلاقة قلقة مع الآخر الذي لا بد من ضبط الخيارات معه، وكأنه يقتات من الوجود الإنساني. هذه الجحيم تعكس موقف سارتر الإلحادي الذي لا يحمل أي قيمة للغيب، بل يجعل من الجحيم قائمة على الوجود الذي يستهلك فيه البشر بعضهم بعضاً.

جحيم كاستلوتشي- عام 2008

الصورة الأكثر معاصرة عن الجحيم، والتي ترتبط بعهد ما بعد الحداثة، هي تلك التي قدمها المخرج الإيطالي روميو كاستلوتشي Romeo Castellucci. فمقولات ما بعد الحداثة من انهيار النص وانتصار المشهدية وحضور الجسد، تظهر بوضوح في عمله. برغم أن العمل متأثر بنصوص الكوميديا الإلهية، فإنّ الصورة الجديدة التي قدمها عن الجحيم ترتبط بقيم المجتمع المعاصر، من تضعضع العلاقات الإنسانية وطغيان الغرابة والجنون في ظل العلاقات الرقمية وتوتر الروابط مع الغيب ومع البشر أنفسهم. جحيم كاستلوتشي رحلة غرائبيّة تقدم صورة عن عذابات المجتمع وطغيان الصفة الاستهلاكية على الحياة الإنسانية. هذه الجحيم هي اختزال لمأساة الإنسان الآن، الإنسان الذي فقد وجوده الآني وتحول إلى نسق استهلاكي وصورة مبتذلة عن نسخ سابقة. في الجحيم يستدعي كاستلوتشي الألم بوصفه حالة يعيشها الفنان ويتورط فيها الجمهور والممثلون.

الصورة: "خريطة الجحيم" (1480 - 1490) للفنان بوتتشيلي، تصوّر "الكوميديا الإلهية" لدانتي

عمّار المأمون

صحافي سوري مساهم في عدد من الصحف والمجلات العربية، حاصل على ماجستير في الإعلام وليسانس نقد ودراسات مسرحية.

التعليقات

المقال التالي