فرقة الفنون الشعبية الفلسطينية: 35 عاماً من التحليق

فرقة الفنون الشعبية الفلسطينية: 35 عاماً من التحليق

في العام 1979 قامت مجموعة من المهتمين بالعمل التطوعي والحفاظ على التراث الفلسطيني بإنشاء فرقة الفنون الشعبية الفلسطينية. جاءت فكرة التأسيس نتيجة لحالة الحراك الشعبي النشيط في فلسطين وازدياد الفعاليات المجتمعية. في ذلك الوقت، اتخذ البعد التراثي أهمية كبيرة في الصراع على الهوية التراثية والحضارية لأرض فلسطين. بدأت رحلة الفنون عبر تقديم أول عرض لها في جامعة بيرزيت كإعلان لانطلاق نشاطاتها الفنية. على عكس نظيراتها في ذلك الوقت من الفرق المحلية، عملت الفنون بشكل مغاير ونوعي على تقديم الفن الشعبي الفلسطيني، من موسيقى ورقص في قالب مميز.

فرقة الفنون الشعبية الفلسطينية

اعلان


في رحلة فرقة الفنون الشعبية الممتدة طوال 35 عاماً، جابت الفرقة أنحاء العالم وشاركت في مهرجانات عالمية وحصدت جوائز كثيرة. قدمت الفرقة خلال رحلتها أحد عشر عملاً فنياً من رقص وأداء موسيقي، وحرصت على أن تكون تجربة كل عمل فني مستقلة بذاتها وبعيدة عن التكرار، بحيث تكون تطويراً في الأعمال القادمة وتعزيزاً للفكرة التي تأسست الفرقة عليها. فيما يلي أبرز المحطات المهمة في تاريخها.

بعد مضي 3 سنوات على إنشائها، قدمت الفنون عروض الدبكة التقليدية، وأثمرت بذلك عن خروج عملها الأول تحت عنوان "لوحات فلكلورية" (1982)، الذي كان بمثابة انطلاقة فعلية للفرقة بعد عمل مضنٍ في جمع الأغاني التراثية وألحانها وتصميم الرقصات الخاصة بها، لتبدأ الفنون رحلة اكتشاف هويتها ومراكمة خبرتها الفنية تباعاً. في طور تكوين جماهيرية للفرقة أصبح عرض "وادي التفاح" (1984) نقطة تحول ومساهمة إضافية في تاريخ الرقص الفلسطيني التراثي. تضمن العمل الأغاني التراثية الأصيلة كـ“العين” و”الحصاد” و"سحجة الرجال"، إضافة إلى بعض من المواويل الشعبية التي استحدثتها ذائقة الشاعر وسيم الكردي، الذي رافق الفرقة في مشوارها الطويل.

في السنوات اللاحقة قدمت الفرقة عروضاً أخرى، منها “مشعل” و“أفراح فلسطينية” و”مرج ابن عامر”. أظهر العمل الفني الخامس "مرج ابن عامر" (1989) تغيراً ملحوظاً  في تصميم الرقصات حيث اشتملت على رقص تعبيري مستلهم من أنواع الرقص العالمية والرقص الكلاسيكي، كما كان للأزياء نصيب كبير من التغيير بخروجه عن التقليدي، وتخصيص وتلحين موسيقى جديدة للعرض الفني.

في السنوات الأخيرة، قامت الفنون بقفزة نوعية في عروضها التي أتخذت منحى آخر يتوجه صوب العالمية من أجل تعزيز الفن الفلسطيني ونشر ثقافته الواسعة في مواجهة البروباغندا الإسرائيلية. انطلقت رؤيتها الجديدة من خلال عرض "حيفا، بيروت وما بعد" (2003) في إطار معالجة فنية واسعة لموضوع الهوية الثقاقية الفلسطينية.

عرض بنى جسراً بين الماضي والحاضر، جاء لينعش الذكرى لتحديد الإطار الثقافي الفلسطيني، فكان عبارة عن توليفة من الرقص المعاصر تحمل في طياتها مزجاً بين التقليدي والجديد. صياغة العرض بلوحاته الأربع جاءت على أساس فلكلوري كترجمة واقعية عن تجارب الفلسطيني في الوطن والمنفى، وتوقعاته للمستقبل.

من وحي رسوم فنان الكاريكاتير الفلسطيني الأبرز ناجي العلي، جاء “رسالة إلى” تخليداً لذكرى الراحل في المساحة الواقعة بين المسرح التجريبي والموسيقي بلوحات راقصة صامتة ورقصات معاصرة فردية في أغلبها، تتمحور حول شخصية “حنظلة” الذي غاب وجهه إلى الآن على وقع كلمات الشاعر وسيم الكردي: إنني أرى ما لا يُرى أو يُرى... فأنا حنظلة.

في محطتها الأخيرة عرجت الفنون على التراثي بحلة جديدة ومعاصرة بعد تجارب غنية ومثمرة. العمل الفني "صور وذاكرة" (2009) في شخصيته الجماعية، تعامل مع التراث بأسلوب جديد راصداً الصورة التاريخية الكاملة للإحتلال وتشابهاته الكبيرة التي تفضي إلى نفس النتيجة. غير أن الرسالة التي تقدمها الفرقة لم تختلف عن سابقاتها بما تتضمنه اللوحات الراقصة في بعدها الدرامي من ثلاثية الأمل والحياة والصمود في وجه النسيان والطغيان.

بعد 35 عاماً، ما زال حلم الفنون مستمراً، ودورها في المجتمع أصبح راسخاً كعائلة متكاملة تسعى للحفاظ على الهوية الوطنية من المحو والتغييب، بالإضافة إلى كونها عاملاً مهما فيتحفيز البيئة الإجتماعية وإحداث تغيير مهم وفق ما يقول خالد قطامش مدير الفرقة: "إستخدمنا الرقص كأداة تغيير في المجتمع الفلسطيني”. في هذا المسار الواسع، استطاعت الفرقة تأسيس نهجها وترسيخ رؤيتها للرقص التراثي عن طريق تطويره لا التعامل معه بشكل صنمي وجامد. هذه الرؤية التي أبقت باب التجربة مفتوحاً دائما للمساهمات الجديدة عززت قدرة إختراق الواقع فنياً والتفاعل معه بحرية خارج الإطار، فحققت الفرقة شعبية واسعة بين الفلسطينيين، وباتت أغانيها ورقصاتها جزءاً لا يتجزأ من الهوية يشدوها الفلسطينيون في مناسباتهم، لتصبح الفنون فرقة تتجاوز حدود الرقص.

التعليقات

المقال التالي