مراجعة لرواية "شوق الدرويش"

مراجعة لرواية "شوق الدرويش"

"كل شوق يسكن باللقاء، لا يعوّل عليه". بهذه العبارة لـ"ابن عربي" يفتتح حمّور زيادة روايته التي يعود فيها إلى حقبة قديمة من تاريخ السودان في القرن التاسع عشر، ليحكي قصة شوقٍ حارق لا يهدأ ولا يستكين.

تبدأ الرواية بخروج "بخيت منديل" من "سجن الساير" بعد أن قضى فيه سبع سنوات، إذ قبض عليه وهو يشرب "المريسة". ظل منسياً  في السجن إلى أن حرره الجيش المصري بعد أن دخل البلاد على إثر سقوط الدولة المهدية عام 1898، بعد معركة "أم درمان" وفرار الخليفة "مهدي الله". لكن برغم خروجه من السجن، فإن بخيت "لم يشعر أنه حر. بينه وبين حريته دماء. بينه وبين حريته ثأر (...) تحمّل السجن سبع سنوات في انتظار هذه اللحظة. لن يموت قبل أن يسوق أمامه خصومه قرباناً. سيقدم على حواء وهم بين يديه".

هكذا يمضي بخيت إلى بيت "مريسيلة" ليقيم عندها ريثما يتعافى من آثار الأغلال والقيود، وهو يخطط لبدء حمله انتقامه من الأشخاص الستة الذين كانوا سبباً في مقتل حبيبته "حواء".

ببراعة لافتة ينتقل زيادة بين الأزمنة المختلفة، ليسرد حكايته التي تدور في الفترة الممتدة بين صعود وسقوط الثورة المهدية في السودان (1885- 1899) بزعامة محمد أحمد المهدي، رداً على الظلم الذي تعرض له الناس تحت الحكم التركي. يقسّم الرواية فصولاً، والفصول فقرات مرقّمة، منتقلاً بسلاسة بين الشخصيات، معبّراً عن أوجاعها وأحلامها عبر مونولوجات داخلية وحوارات، وحتى عبر يوميات تكتبها حواء، ليناقش من خلال ذلك كله مجموعة من القضايا التي تشغل روح الإنسان وعقله: الحب والكره، التسامح والانتقام، الإيمان والشك، التعصب وقبول الآخر.

ومن خلال شخصية "ثيودورا"، تحكي الرواية عن الأوروبيين الذين كانوا في السودان في تلك الفترة، وما قاسوه فيها. فـ "ثيودورا" التي ولدت في الإسكندرية لأبوين يونانيين، ثم أصبحت راهبة بعد أن كبرت، ذهبت إلى السودان في بعثة تبشيرية، وبعد قيام ثورة المهدي رفضت مغادرة البلاد التي أحبتها، فوقعت في الأسر، لتصبح بعد ذلك جارية في منزل أحد الأعيان. يجبرونها على اعتناق الإسلام، ويختنونها، ويغيّرون اسمها إلى "حواء"، "ثيودورا كانت أكثر عناداً في البداية، ثم لانت وأظهرت إسلاماً. سيدتها النوّار هي من اختارت لها اسم حواء. علّمتها الصلاة ووعدتها أن تساعدها على حفظ شيء من القرآن. لكنها فشلت".

يصوّر الكاتب الوضع المعيشي في السودان أثناء الحكم التركي، ومدى الظلم الذي رزح تحته الناس، وكيف أنهم رأوا في "المهدي" خلاصاً لهم فاتبعوه. هذا ما حصل مع "الحسن الجريفاوي" الذي ترك زوجته والتحق بالجهاد في جيش المهدي، حتى استقرت أمور البلاد وقامت الدولة المهدية. ترصد الرواية قيام الدولة، وكيف أنها كانت فترة من القتل والدم والترويع، ومن التطرف الديني الأعمى.

هذا ما دفع بالشك ليتسلل إلى قلب "الحسن"، مرتاباً في إيمانه بالمهدي، إذ رأى أن الظلم الذي انتفضوا للخلاص منه يتكرر على أيديهم: "يناجي الحسن إيمانه. يا مهدي الله لماذا صرت تركياً؟ (...) ويلك يا حسن كم أثكلت. ويلك يا حسن كم أحسرت ويتمّت. صاح وصكّ  وجهه. انكفأ عن فراشه ودفن وجهه في التراب. رفس برجليه ويداه تخبطان الأرض. يا ضيعتك يا حسن. يا ويلك من ربك يا حسن".

لا يخفى على قارئ هذه الرواية مدى الجهد البحثي المبذول أثناء الكتابة، فالكاتب يرسم بمهارة لا الحدث التاريخي فحسب، بل أيضاً الأمكنة، ونمط البناء، واللباس، والأغنيات التي كانت منتشرة في تلك الحقبة، فيغزل كل ذلك ضمن حبكة ذكية، تكشف أجزاء من الحكاية وتخفي أخرى، لتعود فتكشفها في فصول لاحقة. هكذا يروي كيف وقع "بخيت" في غرام "حواء" بينما كانت هي تفكر وتخطط للهرب إلى بلادها، بمساعدة "يونس" الذي يغدر بها ليلة هروبها.

يلوّن الكاتب نصه ببعض الآيات الدينية، وبعبارات صوفية مستلة من كتب التصوف. وبرغم أنه لا يمكن تحديد موضوع هذه الرواية بكلمة أو كلمات، فإنه يمكن أن نجرؤ ونقول إنها رواية عن الحب، الحب الذي يغيّر ويحرر ويشفي، الحب الذي يجعل المحب "درويشاً لمن يهوى"، ويجعل شوقه لمن يحب "كشوق درويش للجنة".

حمّور زيادة صحافي وكاتب سوداني، استقرّ في القاهرة بعد مغادرته السودان عام 2009. صدرت له مجموعتان قصصيتان "سيرة أم درمانية"و"النوم عند قدمي الجبل". وله روايتان: "الكونج" و"شوق الدرويش" التي فازت بجائزة نجيب محفوظ للأدب عام 2014.

المؤلف: حمّور زيادة/ السودان

الناشر: دار العين/ القاهرة

عدد الصفحات: 464

الطبعة الأولى: 2014

يمكن شراء الرواية هنا

فايز علام

فايز علام كاتب سوري يعمل محرراً وعضواً في لجان القراءة في عدد من دور النشر. مهتم بالشأن الثقافي وبصناعة النشر في العالم العربي. يعدّ حالياً بحثاً عن الرواية العربية ويكتب بشكل مستمر لرصيف22.

كلمات مفتاحية
السودان رواية

التعليقات

المقال التالي