مشاريع شبابية تطمح إلى إعادة العرب إلى عصرهم الذهبي

مشاريع شبابية تطمح إلى إعادة العرب إلى عصرهم الذهبي

تخيّل مكتبة في القاهرة يُترجم فيها المئات أحدث الاكتشافات العلمية إلى اللغة العربية، ومركزاً في بيروت يترجم نصوصاً وكتباً تتمحور حول علم الاجتماع. تخيّل تجمّعات في بغداد ودمشق لمترجمين ينقلون النصوص الأدبية والثقافية إلى اللغة العربية من دون مقابل مادي. المئات من الشباب العرب تخيّلوا المشهد وأسسوا مجموعات على الإنترنت، تترجم مواضيع علمية وثقافية متنوعة إلى اللغة العربية. يتابع مئات الآلاف من العرب ست صفحات على فيسبوك، يساهم فيها المئات من المترجمين المحترفين والهواة في خلية نحل تنتج يومياً موادَّ للقارئ العربي المهتم بالاكتشافات العلمية الحديثة، النصوص الأدبية، وما بينهما من إنتاج فكري قدمه الإنسان على مرّ التاريخ. هذه المجموعات هي "مترجم" و"الباحثون السوريون" و"السعودي العلمي" و"المشروع العراقي للترجمة" و"الفيزيائيون" و"ناسا بالعربي".

 

عصر ذهبي جديد؟

تقاطعت ذروة حركة الترجمة العربية مع العصر الذهبي للحضارة العربية (بين القرن السابع والقرن الثالث عشر ميلادي) خلال فترة الخلافة العباسية، التي شهدت ازدهاراً اقتصادياً وثقافياً لم يسبق له مثيل في هذه المنطقة من العالم. ساهمت هذه الحركة بإنتاجها الفكري من ترجمات (من اليونانية والرومانية والفارسية والهندية...) في بزوغ عصر النهضة الأوروبية Renaissance، والذي يتقاطع بدوره مع سقوط بغداد أمام غزو المغول بقيادة "هولاكو" وإتلاف محتويات المكتبات من نصوص مترجمة، ومن أهمها "بيت الحكمة" الذي كان يحتوي على وثائق ومخطوطات كتبها أو ترجمها العرب وتنوعت مواضيعها من الفلسفة إلى الطب والفلك وغيرها من العلوم.

 

ساهمت الصناعة الجديدة للورق في الحقبة العباسية في تسهيل حركة الترجمة، كما يسهل الإنترنت كوسيط اليوم، التعاون والترجمة بين المجموعات الشبابية الجديدة. انطلقت حركة الترجمة الجديدة عام 2012، أي تقريباً بعد انطلاق أحداث "الربيع العربي"، يقودها شباب عرب يستخدمون الإنترنت كوسيط بديل عن الورق. يُجمع المساهمون في هذه المشاريع على محورية الإنترنت وتكنولوجيا المعلومات في عملهم. فهم تعرف بعضهم على بعض واستقطبوا متابعين وقراء لترجماتهم من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، وتواصلوا مع مساهمين مهتمين بالتطوع والترجمة من خلال الإنترنت. حتى أن معظهم لم يتقابلوا وجهاً لوجه رغم تعاونهم الدائم وشبه اليومي في هذه المشاريع.

 

آليات الترجمة والتدقيق

مع بداية أحداث الربيع العربي، لاحظ مهند مالك، مؤسس مشروع "الباحثون السوريون"، أن المواطن العربي يصدّق أي مادة تصله من المواقع وشبكات التواصل الاجتماعي من دون التدقيق في المعلومات وينقلها للآخرين كأنها حقيقة. لذلك قرر مالك إطلاق مشروع "يهدف إلى نشر فكر جديد عبر أداة العلم، وإظهار طريقة عمل العلماء ورجوعهم إلى المصادر الموثوق بها لتثبيت نظرياتهم"، وهذا ما يساهم في تطوير الحسّ النقدي عند الإنسان العربي في أصغر تفاصيل حياته.

تقع على هذه الصفحات مسؤولية كبيرة في استقائها المعلومات والنصوص التي ستترجمها وتعرضها على القارئ العربي. يوضح مؤسس "السعودي العلمي" أن الفريق يحصل على المواد العلمية عن طريق وسائل الإعلام العلمي المتخصص. ويحرص الفريق "أن تكون الأخبار والمقالات بمستوى قريب من فهم غير المتخصصين"، لافتاً إلى أن الترجمة تشرح المعنى ولا تكون حرفية بالضرورة.

 

تراوح خبرات المساهمين بين طلاب جامعيين لا يزالون على مقاعد الدراسة وباحثين متخصصين في المجالات العلمية. كما تتميز هذه الصفحات بالأسلوب الجذّاب والبسيط في نشر المواد عبر ربطها بتفاصيل حياتنا أو بالأفكار التي غالباً ما تجول في خاطرنا، وعرضها مع وسائط متعددة من صور وفيديوهات وإنفوغرافيكس.

يقدّم موقع "مترجم" منصة ترجمة مبنية على مبدأ تقسيم الجهد على عدد كبير من الأشخاص. فبعد اقتراح مادة للترجمة، تُقسم الى مقاطع صغيرة ويترجم كل مساهم مقطعاً أو أكثر من النص. يكرر الترجمةَ نفسها مساهمون آخرون ويتم التصويت على الترجمة الفضلى. وفي نهاية العملية، يدقق صاحب الاختصاص في المادة ومصدرها وترجمتها ليتأكد أن المعلومة وصلت إلى العربية بإتقان.

تتوزع مراحل الإنتاج على مساهمين تتنوع وظائفهم بين اقتراح المحتوى والترجمة والتدقيق والنشر (بصريات وتسويق إلكتروني). ويتأكد المدققون، وهم غالباً من أصحاب الاختصاص، من دقة النص لغوياً وعلمياً. لا شكّ أن النظام التعاوني والتطوعي الذي بنيت عليه هذه المشاريع يزيد من حماسة المساهمين ومثابرتهم على العمل من دون مقابل مادي. وقد يكون هذا النظام أقل إهداراً من البحث عن تمويل من منظمات حكومية أو غير حكومية، وأفضل من المشاريع الربحية.


إغناء المحتوى العربي

ما تواجهه عملية نشر المعرفة والعلوم في العالم العربي من صعوبات، نتيجة غياب الميزانيات الحكومية الكافية للتعليم والأبحاث، جعل من الترجمة ضرورة لنقل المعرفة. يشير مؤسس "السعودي العلمي" (40  مساهماً)، وهو طالب في سنواته الأخيرة من التخصص في الطب والجراحة، إلى أن الدافع وراء إطلاق المشروع عام 2012 كان إثراء المحتوى العربي العلمي الضعيف بما توافر من قدرات. ويضيف "أن دورهم يبقى محدوداً إذا لم تتحرك الشعوب والحكومات".

كما يوضح القيمون على مشروع "مُتَرجًم" أن الهدف من ترجماتهم هو دعم محتوى موسوعة "ويكيبيديا" بنسختها العربية، والتي تُرجِم جزء كبير منها من الموسوعة الإنكليزية. يذكر أن المحتوى العربي على الإنترنت يمثل 3 بالمئة فقط من مجمل المحتوى العالمي. وفي حين يتكلم 360 مليون شخص في العالم اللغة العربية، يوازي عدد المقالات على موسوعة ويكيبيديا العربية عدد مقالات الموسوعة باللغة الليتوانية أو الرومانية أو الكازاخية. وفيما تستضيف إيران 12 ألف ناشر على أراضيها، نجد في العالم العربي 500 دار نشر فقط. كما أن إسبانيا وحدها ترجمت كتباً توازي ما ترجمه العرب في الألف سنة الماضية.

لا شك أن هذه المشاريع تساهم في إغناء المحتوى العربي على الإنترنت، ليتماهى الإنتاج العربي مع الثورة الرقمية التي نعيشها حالياً. ولا شك أيضاً أن هذه المشاريع الستة تقدم للشباب العرب مادة مختلفة عما يتم تداوله على الفضائيات العربية بين برامج ترفيهية وسجالات سياسية. فهل ينجح بضع مئات من الشباب في مهمتهم في غياب الدعم الرسمي أم أن غياب الحكومات يشكّل فرصة لتحقيق أحلامهم؟

نشر هذا الموضوع على الموقع في تاريخ 29.09.2014

كلمات مفتاحية
اللغة العربية

التعليقات

المقال التالي