في الطريق إلى معجم مرح

في الطريق إلى معجم مرح

ربما يحق للمرء أن يصاب بالدهشة حيال تلك الأصوات المطالبة على الدوام برد كل شيء إلى أصوله المعجمية الفصيحة. هذا الاتجاه اللغوي الأصولي يعادي اللهجات والمصطلحات العامية أو المستحدثة، إضافة إلى أنه يجد متعة كبيرة في تقريع الخطاب المحكي والوقوف بالمرصاد لمحاولة تسلله خارج حدود الشارع المتسع، كأن يحضر في مطبوعات أو قصص مصورة أو أعمال سردية.

سوى أنّ ذلك قد يكون شبه مستحيل، لما يحمله من بتر للمعنى وللإحساس المراد إيصاله عبر أعمال من هذا النوع، لطالما كانت العلاقة بين اللغات الأصيلة والمحكية متبادلة، فبينما ترجع الثانية في معظمها إلى الأولى، حدث وأن استوعبت الأولى في كثير من الأحيان صيغاً وكلمات لغوية شائعة في العامية.

اعلان


نجد مثلاً أنّ محرري قاموس أوكسفورد Oxford، قد تحلوا بما يكفي من روح رياضية لإضافة كلمة Selfie إلى القاموس، وهي الكلمة التي تصف تلك الصور - المزعجة للكثيرين، نعم - التي يلتقطها المرء لنفسه قبل نشرها على حسابه، وغالباً ما تظهر على انعكاس مرآة الحمام، بعد أن اكتشف الكثيرون فائدة درجة السطوع المثالية التي توفرها الخلفية السيراميكية مع ضوء مرآة الحمام. حتى أنّ المحرر قد بذل جهداً ليوفي الكلمة حقها من الشرح، فجاءت على النحو التالي: "صورة يلتقطها المرء لنفسه، عادة من خلال هاتف ذكي أو كاميرا الويب ويحمّلها على موقع للتواصل الاجتماعي".

درجة كهذه من الاستيعاب للغة الدارجة سهّلت فيما مضى على الكثير من العاملين في مجال الآداب والنشر إيصال المعاني الدقيقة لما يريدون قوله، رغم الاعتراضات الكثيرة. اللغة الفصيحة ليست مكان اعتراض على الإطلاق بما توفره من مفردات غنية ومنها ما هو خفيف الظل للغاية، ولكنّ المشكلة هي في القبض المتحجر على خطاب بائد. جرّبْ أن تقرأ في رواية حواراً بلغة رصينة عن مشادة كلامية. كيف يمكن صياغة ذلك؟


- "سأمزقه إرباً"

لا أعلم كيف سيكون تأثر الآخرين بهكذا تعبير قديم، ولكن إذا هددني أحدهم بأنّه سيمزقني إرباً سأشعر بالكثير من البهجة والمرح، وذلك غير أن يقول لي أحدهم مثلاً إنّه سيجعلني أتناول طعامي لبقية حياتي مستخدمة قشة الشرب، وسيزداد التأثير أكثر بعد إذا تم الاستشهاد بجملة عامية مرعبة مما يتم استخدامه حقاً في مشادات الأزقة.

سوى ذلك، هناك من الكلمات ما نحن فعلاً بحاجة لإيجاد معادل عربي دقيق له، إذا ما أراد المعجميون أن نكون أكثر انضباطاً في استخدام اللغة. جهدٌ كهذا ربما يكون أكثر فائدة من الانهماك في تعريب مصطلحات تقنية لن يستخدمها أحد (الناسوخ؟  ولكن لماذا؟) ومنها ما يبطل استخدامه أصلاً قبل أن ينتشر المصطلح المعرّب عنه مضيعاً تلك الجهود، مثل الأقراص المرنة المنقرضة floppy disk.

من اللطيف مثلاً إيجاد كلمة واحدة تتم بها ترجمة كلمة pedophilia. أنظرْ: لهذه الكلمة البشعة موسيقى أنيقة يصح بها أن تمازح أصدقائك في المجتمعات الراقية، إذا خرجوا مع أشخاص أصغر سناً منهم بكثير، وهو عكس جمل من نوع: مشتهي الأطفال أو مستغل الأطفال جنسياً، التي تعرّض أصدقائك للمساءلة القانونية إذا مازحتهم بها في مكان عام. في العامية الدارجة الأمر سهل تماماً، ولكنّ تصريف الكلمة بشكل فصيح يمكن أن يكون مشكلة. هل من الممكن أن تعثر في المعاجم العربية مستقبلاً على مصدر هو "الطباجة"؟

كلمة "بلف" العامية مثلاً أو Bluff، من الكلمات المفيدة للغاية التي تحتاج لمعادل دقيق، إذ أنّ كلاً من خداع أو مبالغة أو مراوغة أو احتيال عاجزة عن إيصال معناها الدقيق، وكذلك الكلمة ألمانية الأصل Schadenfreude التي تشير إلى ذلك الشعور الغامض بالسعادة جراء ما يتعرض له الآخرون من مصائب، حتى لو كان أحدهم صديقاً. هي أشبه بشماتة غير واعية أو لا إرادية. تلك البهجة الشريرة عديمة الأخلاق، ولكن الحقيقية للغاية، تستحق كلمة تلخصها أيضاً. ربما يكون “الشمتوفرينيا” مصطلحاً مناسباً؛ إذ أنّ رنينه يوحي ببعد نفسي عميق لعملية الشماتة الواعية والمباشرة.


تم نشر هذا المقال على الموقع بتاريخ 13.12.2013

التعليقات

المقال التالي