مراجعة لرواية "طبطاب الجنة"

مراجعة لرواية "طبطاب الجنة"

يطرح هاني نقشبندي في روايته "طبطاب الجنة" القضيتين اللتين شغلتا الإنسان منذ آلاف السنين: الحب والموت، فينسج حكاية غريبة حول أثر الموت على الحب، وتأثيره فيه، وبالعكس.

تدور أحداث الرواية في مدينة "جدة" في السعودية، وتحديداً في المنطقة التي تقع فيها مقبرة "أمنا حواء"، المقبرة التي حملت هذا الاسم بادعاء أنها تضم قبر "حواء"، أم البشرية. هناك يجلس شاب في الثالثة والعشرين من عمره ملازماً القبر الذي يحمل الرقم 215، لشهور طويلة، محتملاً البرد والأمطار والحر والشمس، وحتى نظرات أهل الحي وهزءهم منه. فبعد أن ماتت "سلمى"، الفتاة التي يحبها، لم يعد يرغب "سلومي" في أي شيء في الحياة، ولم يعد يطيق أن يكلم أو يرى أحداً. صار كل ما يرغب فيه هو البقاء إلى جانب قبرها، صامتاً، لا يغيّر من سكونه سوى أكله حلوى "طبطاب الجنة"، تلك الحلوى الشعبية المصنوعة من السكر المحروق والدقيق، والتي كانت "سلمى" تحبها. "على القبر الذي يقيم عليه، لا يبكي ولا يصلي، ولا يفعل شيئاً سوى الصمت. إن كان من فعل آخر يستحق أن يسجل هنا، غير قضاء حاجته، فهو بعض طبطاب الجنة الذي يتناول شيئاً منه، وينثر الباقي على القبر، كمن يقاسم ساكنه الحلوى".

على الجانب الآخر ثمة فتاة اسمها "غرسة" تراقب العاشق الولهان، من نافذة بيت متهالك إلى جوار المقبرة، تراقبه وتنتظر أن يملّ أو يسأم المكوث في مكانه، لكن الأيام تمضي دون أن يتغيّر شيء، فيما هي تذوب مثل شمعة محترقة بنار حبه.

هكذا يبني الكاتب عقدة الرواية، ثمة عاشق متيّم بفتاة ماتت، وثمة عاشقة معذبة بسبب حبها لشاب جسده حيّ وروحه ميتة، "أراقبه، لا أريده أن يغيب عن ناظري. أتألم لألمه وألمي. هل تصدقين يا خالتي؟ ما زلت أغار منها حتى وهي تحت التراب. انظري ما يفعل العشق. هكذا أردت له أن يعشقني. أنا أحبه ولا أعلم ما أفعل بحبه وهو لا يزال جالساً هناك. هل هو المجنون أم أنا؟ (...) تركته لها عندما كانت حية، فلماذا لا تتركه لي بعد أن ماتت؟".

يلفت الكاتب في إشارات سريعة تتخلل الرواية إلى وضع المرأة في السعودية، وكيف أنها خاضعة لقوانين تحط من شأنها، كما يشير إلى التمييز بينها وبين الرجل في كثير من الأمور، حتى الأمور البسيطة منها، مثل زيارة المقابر، إذ يحرّم على النساء دخولها. يصوّر في أكثر من موضع من الرواية كيف أن المجتمع يقيّد عقل المرأة، ويلغي استقلاليتها ويرفض جرأتها التي يعتبرها انحلالاً، في حين أن هذا المجتمع نفسه غارق في الفساد والانحلال الأخلاقي. يذكر الكاتب على لسان إحدى الشخصيات كيف أن بعض أئمة الجوامع في السعودية يتسلمون راتباً من وزارة الأوقاف ليؤمّوا الناس في الصلاة، لكنهم لا يفعلون، بل يدفعون جزءاً من الراتب لأي شخص فقير بحاجة إلى عمل، كي يقوم بذلك، فيما ينصرفون هم إلى تجارتهم الخاصة ومتعهم الدنيوية.

بسرد بسيط، وانتقالات سلسة، وعدد قليل من الشخصيات، يقدّم النقشبندي فصول روايته، مقسّماً إياها أحد عشر فصلاً، يحمل كل فصل منها اسم شهر من أشهر السنة، هذه الأشهر هي نفسها التي قضاها "سلومي" جاثماً فوق قبر محبوبته، وهذه الأشهر هي من حملت له مفاجأة ثقيلة وغير سارة، إذ عرف فيها أن القبور في السعودية ليست خاصة بإنسان واحد إلى الأبد، بل تفتح مرة إثر مرة، وفق ترتيب معيّن حيث يدفن ميت جديد في القبر نفسه، فوق ميت سبقه. يقرر "سلومي" تنفيذ خطة غريبة، كي يدفن في قبر "سلمى" نفسه عندما يُفتح في المرة الثانية، يبدأ بحساب عدد القبور في المقبرة، ومتوسط عدد الأموات في الشهر، كي يستطيع تحديد موعد فتح قبرها، وبالتالي تحديد التاريخ الذي يجب أن يموت فيه. لكنه سيكون بحاجة إلى مساعدة "غرسة"، وهو الذي يعرف أنها تحبه وتراقبه كل يوم، كي يضمن أن يدفن في هذا القبر بالتحديد. وهنا يقدّم الكاتب فلسفته عن الحب والموت، ونظرته لكل منهما، من خلال حوار الشخصيتين الأساسيتين، إذ يطلب "سلومي" من "غرسة" مساعدته، وبعد أخذ وردّ طويلين يستطيع إقناعها، هي التي تريد أن تتخلص من عذاب حبها له، ظانةً أن موته هو فقط ما سينسيها إياه، فيبدآن بالتخطيط والحساب معاً.

لكن كما في معظم رواياته السابقة، يقلب "النقشبندي" الأمور رأساً على عقب في الصفحات الأخيرة، ليخرج بنهاية لم يكن القارئ يتوقعها.

هاني نقشبندي، إعلامي وكاتب سعودي ولد في المدينة المنورة عام 1963. ترأس تحرير بضع مجلات عربية، وقدم برنامجاً تلفزيونياً شهيراً على قناة "دبي" هو برنامج "حوار مع هاني". له خمس روايات: "اختلاس"، "سلّام"، "ليلة واحدة في دبي"، "نصف مواطن محترم"، "طبطاب الجنة".

مراجعة رواية طبطاب الجنة - معلومات عن الرواية

فايز علام

فايز علام كاتب سوري يعمل محرراً وعضواً في لجان القراءة في عدد من دور النشر. مهتم بالشأن الثقافي وبصناعة النشر في العالم العربي. يعدّ حالياً بحثاً عن الرواية العربية ويكتب بشكل مستمر لرصيف22.

التعليقات

المقال التالي