"كتارا": جسر ثقافي بين ابداعات العالم في قطر

"كتارا": جسر ثقافي بين ابداعات العالم في قطر

في عالم يطغى فيه حديث السياسة، وبين تفاعلات دولية وحضارية عربية وخليجية، تبرز المؤسسة العامة للحيّ الثقافي "كتارا" في قطر. هي إحدى المنارات الثقافية في المنطقة الخليجية، التي تتطلع إلى بناء جسر حضاري يربط بين ثقافات العالم، ويتخطّى الحدود الجغرافية، ويعزز الهوية الإنسانية، ويدعم رسالة قطر في إطلاق منصّة حوار تجمع الثقافات والحضارات.

بعد مرور عدد من السنوات على تأسيسه، تحوّل هذا الحيّ الثقافي إلى منارة معرفية وفنية وسياحية، بفضل أدائه الثقافي، وأصبح الوجهة الرئيسة للمواطنين والمقيمين والسيّاح، على اختلاف جنسياتهم وأهوائهم الفنية والثقافية.

اعلان


في البداية، راودت المسؤولين عن الحقل الثقافي في قطر فكرةُ تشييد هذا المعلم الثقافيّ، فتحقق نصف الحلم، بانتظار رؤيته واقعاً بحلول 2018 كحي ثقافي ضخم على جميع المستويات. بذلك، تكون قطر قد نجحت في إشاعة نوع جديد من الاستثمار في الثقافة، حيث تسخّر الدولة الأموال للحركة الثقافية وللحفاظ على إرثها.

منذ اللحظة الأولى لبدء التفكير في إرساء قاعدة ثقافية بهوية حضارية في منطقة الخليج، كان من الضروري أن تخطو المؤسسة العامة للحيّ الثقافي بثقة وثبات. هذا ما يؤكده الدكتور خالد إبراهيم السليطي، المدير العام لــ"كتارا": "شكّلت البداية تحدّياً غير مسبوق. ففي ظل ّ التحدّيات التي تواجه العالم على الصعيد السياسي والتطاحن العرقي والمذهبي، يمكن لبلد كقطر أن يعرض فضاء ثقافياً تفاعلياً بالدرجة الاولى، كشكل من أشكال الحوار المفقود في يومنا هذا".

يعتبر السليطي في المقابل أن الثقافة لن تكون سوى جسر يجدد لغة الحوار بين الشعوب من خلال الفنون والثقافة المختلفة، وينفتح على التنوعات التي غيّبتها الحدود الجغرافية. فلا عجب في أن يلتقي الجمهور في "كتارا" مثلاً فنانين ومبدعين من جمهوريات القوقاز أو من مجاهل إفريقيا، أو من الصين أو من أمريكا اللاتينية، ويستكشف ما تزخر به هذه الدول من تنوع ثقافي وفنون لم يسبق له أن سمع بها.

عن درجة التفاعل الجماهيري مع هذه الأنشطة، يرى الدكتور السليطي أن الفعاليات التي أقيمت في "كتارا" على مدار شهور السنة حازت نسبة حضور ومتابعة كبيرة. فقد تجاوز المتوسط اليومي لأعداد زوار الحي نحو الـ20 ألفاً، ويصل إلى 90 ألفاً في نهاية عطلة الأسبوع، كما تزداد نسبة الزوار في أوقات انعقاد الفعاليات الكبيرة والمهرجانات. فعلى سبيل المثال، بلغ عدد الزائرين خلال فترة انعقاد مهرجان الدوحة ترايبيكا السينمائي عام 2011، نحو 180 ألفاً.

وقد واكبت هذا الحراك الثقافي تغطية كبيرة من الصحف القطرية. في هذا الإطار، يقول الصحافي سعيد دهري، رئيس القسم الثقافي في جريدة "العرب" القطرية، إن أنشطة الحي الثقافي "كتارا" استأثرت بالتغطية الصحفية الأكبر في الصحافة الثقافية المحلية خلال العام الماضي بسبب حجم الأنشطة والفعاليات التي نظمها. ويضيف لـ"رصيف 22"، أن "كتارا أصبح بالفعل واحة في منطقة الشرق الأوسط، تلتقي فيها أصناف الإبداع المختلفة".

فعاليات ذات إيقاع عالمي

على مدار الشهر والسنة يحتضن الحي الثقافي فعاليات متنوعة من دول عديدة، بعضها ذو طابع عالمي بالتعاون مع دار الأوبرا، كعروض الأوركسترا والعروض المسرحية العربية والعالمية، يضاف إلى هذا تنظيم مزادات كتلك التي عقدتها دار "كريستيز" Christie’s العالمية للمزادات، والتي عرضت مجموعة من أهم الأعمال الفنية العربية والإيرانية والتركية الحديثة والمعاصرة.

ومن أبرز الفعاليات التي احتضنها "كتارا" أيضًا، تلك التي نظمت عام 2011. وتمثلت فيالمهرجان الأول للثقافة الأمريكية اللاتينية، الذي شارك فيه 230 فنّاناً من الأرجنتين، والبرازيل، وكوستاريكا، وكوبا، وجمهورية الدومينيكان، والسلفادور، والبيرو، وأوروجواي. كما استضاف رائعة المؤلف جوزيبي فيردي Giuseppe Verdi لأوبرا عايدة، وأوبرا متروبوليتان في نيويورك، وأشهر مسرحيات شكسبير "روميو وجوليت"، والمسرحية اليابانية "هاروكزماذا كنجكي"، ومعرض صور للفنانة كيميكو يوشيدا Kimiko Yoshida، ومعرض تجارب الفنانات القطريات المبدعات اللواتي تتمتع تجاربهن بالعمق والبعد الفني والشخصي.

نحو عاصمة أبدية للثقافة

من رؤية قطر الإستراتيجية لسنة 2030، تستلهم المؤسسة العامة للحيّ الثقافي أهدافها. فكان لها دور بارز في إنجاح فعاليات الدوحة عاصمة الثقافة العربية 2010، كخطوة أولى للسير نحو تحقيق هذه الرؤية الإستراتيجية. فقد احتضن الحي الثقافي العديد من تلك الفعاليات التي استمرت عاماً كاملاً في المرافق المؤهلة من مسرح مكشوف، وقاعة مفتوحة متعددة الاستعمالات، وداراً للأوبرا، ومسرحاً للدراما خصص قاعة عرض سينمائية.

يُعدّ المسرح المكشوف واحداً من المنصّات الثقافية البارزة في الحي الثقافي. هو أشبه بتحفة هندسية أطلق عليها لقب "جوهرة كتارا" لتصميمها المبدع: تجسيد لفلسفة هندسية رومانية عربية إسلامية أصيلة. أُنجز عام 2008 على مساحة 3275 متر2 وصُمّم لاستيعاب ما بين 3200 إلى 3900 متفرج، بقدرة استيعابية قصوى تصل إلى نحو 5000 متفرج، وهذا يجعله من أكبر المسارح في الشرق الأوسط.

أما دار الأوبرا، فتتسع لقرابة 500 شخص، وتحتوي على قاعة فخمة لكبار الزوار، وقسم أكبر للجمهور يتيح له الاستمتاع بالعروض والمشاهد المسرحية، وقد جُهّز بأحدث المعدّات والخدمات والتسهيلات ليلبّي مختلف حاجات الفنانين والجمهور.

"كتارا"، في خرائط التاريخ والجغرافيا

تستحضر الرواية التاريخية اسم "كتارا" من الإسم الذي أطلق على قطر في الخرائط الجغرافية القديمة، وهو أول ما عُرفت به شبه الجزيرة القطرية في التاريخ. وبعد أن ظل هذا الإسم يشير إلى شبه جزيرة قطر حتى عام 1738، ارتأت المؤسسة العامة للحي الثقافي اختيار هذا الاسم، في محاولة لإحياء اسم قطر القديم، ولربط الماضي بالحاضر ضمن استمرارية التفاعل مع الإرث الحضاري والجغرافي للدولة.

تم نشر المقال على الموقع بتاريخ 21.07.2014

التعليقات

المقال التالي