عن سبي النساء في الإسلام

عن سبي النساء في الإسلام

يُعيد تنظيم داعش إحياء أحكام شرعية كثيرة لم تخرج منذ عقود من مناهج التدريس في المعاهد الإسلامية. بقيت هذه الأحكام ثابتة ومختبئة ولم تخضع للدراسة العقلانية. لذلك يتم تطبيقها اليوم بشكل متطرف. من هذه الأحكام حكم "سبي النساء" أو "ملك اليمين" الذي يطبقه داعش في "غزواته" المختلفة. هذا يدفعنا إلى التساؤل عن حقيقة الأمر في الفقه الإسلامي.

اعلان


لم تعد التساؤلات عن حدود الأحكام الشرعية وشروطها مطروحة كمسألة تاريخية. صارت مهمة لفهم الأحداث الراهنة منذ أن اختطف داعش عشرات النساء الإيزيديات والمسيحيات واحتجزهنّ في مطار تلَّعفر ليبيعهن في أسواق مدينة نينوى العراقية، بمبالغ يحددها عمرهن وجمالهن، حسبما قالت جمعية "الهلال الأحمر العراقي".

نشأة المصطلح

بعد "غزوة حنين"، أسَر المسلمون عدداً من نساء المشركين، لكنَّهم حاروا في مسألة معاشرتهن، هل هي جائزة أم محرمة؟ وكان هذا سبباً لنزول آية "والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم".

مع مرور الوقت لم يُنسخ حكم "ملك اليمين" بل بقي معمولاً به. كانت تجارة الرقيق، أي الاتّجار بالبشر، منتشرة في شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام، كما كان "ملك اليمين" يشمل الجواري أو السراري سواء كن من غنائم الحرب أو قد تم بيعهن خارجها. ومع أن الإسلام كافح هذه الأنظمة بتشجيعه على عتق العبيد، لم يُحرّم "ملك اليمين" الذي صار يُطلق غالباً على النساء المخطوفات في الحروب.

يحظى هذا الحكم بمكانة هامة بسبب تكراره في آيات عدة تصنف النساء اللواتي تُباح معاشرتهن مثل: "وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا" (النساء)، "يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك" (سورة الأحزاب)، "والذين هم لفروجهم حافظون، إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين" (المؤمنون).

في تفسير "ابن كثير" للآية الأخيرة لا نجد أي تفصيل عن ملك اليمين، فهو يقتصر على توضيحها بكلمة أخرى "السراري"، مما يدل على أنها من البَديهيات التي لا تحتاج إلى شرح، كما يدل على أنها حكم واضح لا لبس فيه. لكن ما شروط هذا الحكم؟

ثمة نظام حدَّده الفقه الإسلامي للتعامل مع السبيّة، وهي في اللغة: المرأة المنهوبة، وفي الاصطلاح: المرأة الأسيرة خلال الحرب، ففي حال أنجبت تخرج عن كونها سبيّة بشكل جزئي، كما أنه يحق لسيدها معاشرتها سواء قبلت بذلك أم لا، وتنال حريتها بمجرد موته.

السبي في القرن العشرين

في التاريخ الحديث، نجد حالات كثيرة من سبي النساء في الإمبراطورية العثمانية، فجزء من جواري الخليفة، كما تثبت الروايات، كان يتم اختطافهن من أوروبا ليُبَعن بمبالغ باهظة للقصر أو يُقدَّمن هدية للخليفة. ومعاشرة "السبايا" أو "الجواري" تقليد معروف مارسه الخلفاء على مر العصور لا سيما في العصر العباسي.

في القرن العشرين ما من حروب تُذكر بين المسلمين و"الكفار" تحت مُسمَّى "الجهاد"، لذلك لم يكن السبي شائعاً. لكن ما يهمنا أكثر هنا هو تعامل الدعاة المسلمين الجدد مع المصطلح.

في كتابه "في ظلال القرآن"، يشرح سيد قطب آية "والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم" ويقول: "هذا الاستثناء يتعلق بالسبايا اللواتي كن يؤخذن أسيرات في حروب الجهاد الإسلامي وهن متزوجات في دار الكفر والحرب، حيث تنقطع علاقاتهن بأزواجهن الكفار، بانقطاع الدار، ويصبحن غير محصنات، فلا أزواج لهن في دار الإسلام، فيصبح نكاحهن حلالاً- إن دخلن في الإسلام-".

لا يوضح لنا قطب مصدر عبارته الشرطية (إن دخلن في الإسلام)، فهي غير موجودة في الفقه الإسلامي. تفسيره المذكور لا يتعدى كونه رأياً شخصياً يبرر مسألة السبي بحذافيرها دون أن يقدم أي جديد. هذا التفسير يكررهالشيخ الشعراوي، في سياق البحث الحثيث عن تبرير لحكم "السبي"، بغية إنقاذه من أطر الإهانة والاغتصاب وطرحه كمفهوم قابل للتطبيق مهما تغير الزمان.

أما الشيخ محمد صالح المنجد، فإنه يعود بتاريخ "التسرِّي" إلى النبي إبراهيم، فقد أنجب الأخير من جاريته هاجر النبي إسماعيل الذي أتت منه سلالة العرب وبهذا يتفاخر اليهود العنصريون على العرب كونهم أبناء سارة، السيدة والزوجة.

نخلص إلى أن الدعاة الجدد لم يقدموا رؤية مغايرة لمفهوم السبي، بل أعادوا صوغ التفاسير القديمة تحت عنوان: قابلية تطبيق النص القرآني في العصر الحديث، وهو ما يُعد اجتهاداً ثانوياً لا يمس جوهر المسألة.

 

أسباب النزول

يدعو بعض المفكرين إلى النظر في "أسباب النزول" عند الحديث عن مسألة لا تناسب العصر الحالي، ومن هؤلاء عبد الوهاب المؤدب في كتابَيه "أوهام الإسلام السياسي" والـ"الإسلام الآن". لكن الأمر يبقى إشكالياً مع عدم وجود نص في الإسلام نفسه يقِر بمسألة الأخذ بهذه الأسباب. فقد روى ابن ماجه عن النبي محمد قبل وفاته بمدة قصيرة قولَه "قد تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك، من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين. عضُّوا عليها بالنواجذ، وعليكم بالطاعة وإن عبداً حبشياً".

 

هذا الحديث الصحيح الذي يأخذ به المسلمون يدعو إلى الأخذ الحرفي بالنص الديني، الأمر الذي يجعل من إلغاء بعض الأحكام الدينية مسألة شائكة إذا لم يُجمع المفسرون على نسخ مجموعة من الآيات والأحاديث. إلى ذلك الحين، ستكون الأحكام التي يطبقها داعش، ومنها سبي النساء، جزءاً من المرجعية الإسلامية الصحيحة المُتوارثة لا الطارئة المُستحدثة.

عمر يوسف سليمان

كاتب سوري، مقيم في باريس. متخصص في المقالات النقدية والدراسات حول قضايا المجتمع المشرقي المعاصر، التي تستمد جذورها من التراث العربي والإسلامي.

التعليقات

المقال التالي