موريس لوقا، لقاء الموسيقى الشعبية بالموسيقى الإلكترونية

موريس لوقا، لقاء الموسيقى الشعبية بالموسيقى الإلكترونية

تلقّى موريس لوقا دعوة للعزف في مكان ما في الأردن. ذهب إلى هناك متحمساً لكن حماسه تبدد فور وصوله. موريس الذي نبتت جذوره الموسيقية في البارات ومسارح الكراجات والشوارع الخلفية لضجيج القاهرة وجد نفسه واقفاً في الأردن في قاعة فخمة، كل شيء فيها أبيض، جمهورها ما فوق الثلاثين وتبدو عليهم علامات الثراء، يجلسون في دوائر حول طاولات يتناولون العشاء.

 

اعلان


شعر موريس في البداية أن المكان ليس مكانه، وأن المسافة ستكون بعيدة جداً ما بين موسيقاه والموسيقى التي يتوقع الجمهور أن يستمع إليها. تمنى أن تمر الساعة التالية بأسرع وقت. وضع أدواته الموسيقية ووصل أسلاكه، ثم بدأ في اللعب. دفن موريس رأسه في لوحة الأزرار أمامه ليخلط ويمزج الموسيقى، وتفادى أن ينظر إلى الرتابة التي تنبعث من المكان حتى لا يفقد الإيقاع. يقطع نغمات "الأكورديون" مع الكمنجات ودبيب آلات النقر المختلفة. أكثر من 14 آلة موسيقية، سجلها موريس لعازفين شعبيين يلعبون عليها. مزيج الأصوات الشعبية المعتادة يتحول بين أصابعه لدبيب يحمل طاقة خاصة. في منتصف الحفلة، رفع موريس رأسه فجأة، ليجد المكان كله يعج بالحركة والرقص.

  

قاربت فقرته على الانتهاء، فصعد صاحب المكان وطلب منه الاستمرار في اللعب. حاول موريس إفهامه أنه ليس دي جي D.J وأنه لا يستطيع مواصلة اللعب لأن ما يقدمه موسيقى مولّفة بشكل حي، لكنه رضخ في نهاية الأمر، وسط دهشة الجمهور من هذه الموسيقى الغريبة، ودهشة موريس من تفاعل هذا الجمهور الغريب معها.

  

توضح هذه الحكاية الموقع المحير الذي أصبح موريس لوقا يحتله في المشهد الموسيقي، فمع اقتراب صدور ألبومه الثاني "بنحيي البغبغان" تنفتح موسيقاه على طبقات اجتماعية وشرائح جديدة من الجمهور. مزيج الموسيقى الخاص الذي يقدّمه موريس يصنع محيطه، إذ ينجذب الجمهور لهذه الموسيقى التي لا يعرف كيف يصنفها.

  

  

طالب التجارة الذي يحمل الجيتار

درس موريس مدّة أربع سنوات في كلية التجارة، بلا رغبة حقيقية، بل رضوخاً للمتطلبات الاجتماعية التي تفرض على كل شاب مصري الحصول على شهادة جامعية. اهتمامه الأساسي كان بالموسيقى وأداته المفضلة في ذلكالوقت كانت الجيتار. عام 2005، تخرج من الجامعة والتقى بمحمود رفعت ومحمود والي وكوّن الثلاثة فرقة "بيكيا".

 

يعتبر موريس نفسه محظوظ جداً. عندما أنهى دراساته الجامعية، قدمت له والدته مبلغاً من المال لينشىء مشروعاً تجارياً، لكن بدلاً من ذلك، عاش لسنوات مستفيداً من هذا المبلغ، ومتفرغاً لتعلم المزيد عن الموسيقى،ولتجاربهمع فرقة "بيكيا".

  

 50

 

شكلت تجربة موريس مع الفرقة علامة فارقة في مسيرته والمشهد الموسيقي. حتى هذا الوقت، كانت الموسيقى الإلكترونية في مصر تعني مزيجاً من موسيقى الهاوس House، أو مزيجاً من أغان ناجحة تجارياً وإيقاعات سريعة راقصة. لكن فرقة بيكيا قدّمت موسيقى يصفها موريس بأنها "موسيقى مركبة"، تفسير آخر للموسيقى الإلكترونية، إذ تبدو فيها الأصوات المختلفة بناءً هندسياً، وكل مقطوعة تعبر ببنائها عن دفقات ومعان تتطلب من المستمع أكثر من الاستجابة للرقص فقط.

  

استديو العربي بشبرا

تطور مشروع موريس مع فرقة بيكيا، ثم قدم ألبومه الأول منفرداً، وعنوان "جراية". كانت الحياة تسير في إيقاعها البطيء في زمن الرئيس حسني مبارك، حينما انفجرت موجة موسيقى المهرجان. يعتبر موريس أن الموسيقي الشعبية هي أكثر موسيقى مثيرة خرجت من مصر في السنوات الأخيرة.

  

  

انجذب فنانون كثر إلكترونياً إلى الموسيقى الشعبية، وحاولوا تقديم تجارب على تماس معها، مثل حسن خان، وأحمد بسيوني الذي استشهد في ثورة 25 يناير. النمو المتزايد للموسيقى الشعبية والمهرجانات جعل موريس يطمح إلى العمل معهم، لكنه لم يكن يملك التمويل الكافي الذي يمكنه من ذلك، عندما أطلق ألبومه الأول عام 2011.

  

غير أن الأمور تغيرت مع ألبومه "بنحيي البغبغان". ذهب موريس إلى استديو العربي بشبرا، وهو أحد الأستديوهات الضخمة التي كانت مشهورة في الثمانينات، مع صعود موجة الغناء الشعبي، ولكنه دخل في النسيان مع توالي السنوات ولم يعد معروفاً إلا في دوائر محدودة.

 

يرى موريس لوقا نفسه كـ"ملحن وموسيقي". قبل العمل على مشروع موسيقي، يبني المقطوعات في ذهنه، وقبل أن يدخل إلى الأستديو، يكون قد كوّن تصوراً واضحاً وإن كان غير محدد عن الموسيقى التي يريدها. يشرح موريس لمهندس الصوت عن الموسيقى التي يريدها، فيرشّح الأخير له موسيقيين شعبيين يجارون ما يرغب به. في جلسات طويلة، يسجل موريس مع كل عازف على حدة، ثم يحمل كل ما سجله إلى معمله الخاص، حيث يبدأ في تقطيع التسجيلات إلى أصوات وأنغام ويعيد دمجها ليخلق منها أعمالاً تقف في المنتصف بين الموسيقى الشعبية والايقاعات الإلكترونية.

  

الخنفس والبغبغان

  

51

 

استمعت إلى مقطوعات ألبوم موريس في عدد من الحفلات الحية، لكنني عندما استمعت في منزله في حي العجوزة في القاهرة إلى النسخة الأخيرة من ألبومه الجديد، بدت الاختلافات بين الموسيقى الحيّة وتلك المسجلة واضحة. بعض المقطوعات في اللعب الحي قد يصل طولها إلى 8 دقائق، أما في التسجيل فتبدو أقصر وأكثر تكثيفاً. يشرح موريس السبب: "حينما ألعب بشكل حي، تكون كل عناصر المقطوعة مفتوحة أمامي، فأختار بشكل حي وبناء على الأجواء وتفاعل الجمهور إعادة ترتيب وبناء العمل. هناك لحظات مثيرة في اللعب الحي، لكن عند التسجيل، تكون قد قضيت وقتاً طويلاً مع كل مقطوعة، فتصبح بعض التفاصيل مملة مع مرور الوقت، لذلك أعيد بناءها بشكل جديد".

  

ساهم خيام اللامي، مدير شركة نواة التي أنتجت الألبوم، مع موريس في عمليات الميكساج الأخير للألبوم. بينما يسود الإيقاع والموسيقى في معظم مقطوعات الألبوم، يبرز الصوت البشري في ثلاث مقطوعات فقط. استعان موريس بعلاء فيفتي، مغني المهرجانات، ليؤدي دور "النبطشي"، أي المغني الذي يوجه التحية للحضور في حفل أو فرح، والذي يلقي الكلام بين الحين والآخر لإشعال الأجواء.

  

في بعض المقاطع يغيب صوت "فيفتي" ويتحول إلى كلمات غير مفهومة، وكأن موريس يستخدمه كآلة موسيقية. يعترف موريس أن ثقافته الموسيقية تأتي من مصادر غربية، ويقول: "أنا خنفس شوية، لكن للموسيقى الشعبية تأثير كبير علي، ألبوم "بنحيّي البغبغان" ربما يكون تحية لشعبان البغبغان، كاسم من أسماء الموسيقى الشعبية، أو قد أكون أنا البغبغان، الذي يردد الكلام من دون أن يفهم معناه، قادماً من الموسيقى الغربية ومحاولاً تقديم موسيقى شعبية. قد يكون الكلام الغائم في الألبوم أيضاً هو البغبغان".

  

أحمد ناجي

كاتب وصحفي مصري، يعمل في مجال الصحافة الثقافية منذ 2004. صدر له روايتان، روجرز (2007) واستخدام الحياة (2014).

التعليقات

المقال التالي