معرض فن أبو ظبي يرفع معاييره الفنية

معرض فن أبو ظبي يرفع معاييره الفنية

قد يكون معرض “فن أبو ظبي” الذي أغلق أبوابه أمس في منارة السعديات الأرقى بين نسخاته الخمس السابقة. فمن الناحية التنظيمية، جمع خمسين صالة عرض في قاعة كبيرة بدت كأنها معرض واحد متناسق، فيه نحو 500 عمل فني من مختلف أنحاء العالم، لفنانين مثل باسكيا، بيكاسو، منى حاطوم، اي وي وي Ai Wei Wei ، ضياء عزاوي وآخرين. أما من الناحية الفنية، فغالباً ما كانت تطغى على معرض “فن أبو ظبي” الأعمال الفنية التجارية، على عكس هذه السنة. فقد عُرضت  أعمالٌ ذات مستوى فني عالٍ.

 

المعالق

كانت أعمال حسن الشريف تعدّ ظاهرة غريبة وفريدة في الإمارات في الثمانينات من القرن الماضي. يشرح الفنان، المولود في الإمارات عام 1951، كيف قابل الجمهور الإماراتي أعماله الفنية في الثمانينات والتسعينات. يروي مثلاً أنه كان قد عرض أعمالاً تركيبية على الأرض في بينالي الشارقة، وفي اليوم التالي للافتتاح، زار المعرض ليفاجأ بأن أحد أعماله قد فقد، ويكتشف بعد السؤال والتحقيق أن عمّال النظافة قد تخلصوا من العمل ظناً منهم أنه قمامة.

يستعمل الشريف في أعماله التركيبية أدوات بسيطة نستخدمها في كل يوم. يقوم بتجزئتها ويعيد تركيبها ليبتكر منها مضموناً جديداً بعيداً عن مفهوم الأدوات التقليدي. يحضر موضوع البيئة في كثير من أعماله، ومن ضمنها “المعالق”، إذ إنّ صلابة وبرودة معدن الألمنيوم المستخدم في هذا العمل، والدّال على حركة الإعمار في الإمارات، تتداخل مع الطعام وعنقود تمر متدلٍ.

download (11)


فريدا كالو العربية

في عهد الاحتلال الفرنسي، عملت باية محي الدين (1931- 1998) في الجزائر خادمة لدى سيدة فرنسية سرعان ما لاحظت موهبة باية في صنع تماثيل من الطين. علّمتها استخدام الألوان، وبدأت الطفلة الصغيرة ترسم أعمالاً خيالية بألوان مستمدة من طبيعة الجزائر المحيطة بها. في عمر السابعة عشرة قابلت الفنانة بيكاسو الذي تـأثر بها وبأعمالها واستوحى منها سلسلة أعمال “نساء جزائزيات”.

في فرنسا، تطور أسلوب باية. كانت المرأة حاضرة في معظم لوحاتها، نساء جزائريات بزي تقليدي تزيّنه تفاصيل من الطبيعة ومن التراث الجزائري الذي بقي نابضاً في حياة الفنانة. إن أسلوب باية السورياليالخيالي الممزوج بالتراث جعل نقاداً يلقبونها بفريدة كالو Frida Kahlo العربية.

download (12)

أمّة في المنفى

لا نلتقي كل يوم فناناً مفعماً بالحيوية والحياة كرشيد قريشي (الجزائر 1947). بوجه مبتسم وعينين لامعتين يحدثنا عن أصوله الصوفية ويشرح فلسفته في الحياة والفن وعلاقته بالحرف.

لوحة الحفر “أمّة في المنفى” هي حصيلة عمل مشترك لثلاثة فنانين منفيين هم محمود درويش من فلسطين ورشيد قريشي من الجزائر وحسن المسعودي من العراق. اللوحة التي أنجزت بين عامي 1984 و1991 تجمع بين الحداثة والتراث في وصفها تاريخ العرب ومعاناتهم التي لم تزل مستمرة. يقول درويش "ما قيمة الإنسان بلا وطن، وبلا علم، وبلا عنوان"، فيحوّل القريشي كلمات درويش هذه إلى رموز وأشكال تعبّر عن حركة ناس يرحلون في كل الاتجاهات.

download (13)

الشرنقة

في عام 2006، غادرت هناء مال الله وطنها العراق بعد أن كثر استهداف أساتذة الجامعة والأكاديميين. تقول هناء “من يعيش الحرب ليس كمن يسمع عنها. الدمار في جميع الأمكنة، وكل شيء قد يتحول إلى رماد في لحظات”. تعكس لوحاتها ثلاثة عقود من الحروب والحصار عاشتها في العراق. الدمار والموت ماثلان في معظمها. “الشرنقة”مثلاً، هي إطار خشبي يضم بيوت فراشات مصنوعة من القماش، ومحروقة يملؤها الرماد. لا حياة في البيوت باستثناء فراشة سوداء وحيدة، قد تكون ربما أملاً بحياة جديدة، كما قد تكون آخر من بقي على قيد الحياة.

download (14)

الحرب الحاضرة دوماً

ولد ألفريد طرزي عام  1989، أي قبل انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية بعام واحد. التقيته في بيروت عام 2010 في مبنى دوم سيتي سنتر حيث كان يعرض مئات الصور لأشخاص فقدوا أثناء الحرب الأهلية اللبنانية. اليوم، بعد أربع سنوات، ما زال الطرزي يطرح موضوع الشهداء والحرب، لوحاتٍ سوداء لأشخاص بلا معالم وأبنية مدمرة. يحاول الفنان الشاب تطوير أسلوب فني عصري يتفرد به، لكن موضوع أعماله يبقى تقليدياً، إذ شاهدنا في العقدين السابقين مئات اللوحات لفنانين عاصروا حروباً وتأثروا بها. يؤرقني أن يتأثر شاب بحرب لم يرها ولم يعشها، فكم من السنوات ستمضي قبل أن تتعافى الأجيال المقبلة منها؟

 

download (15)

ما يلفت نظري دائماً في المعارض التي تقام في الإمارات هو الحضور الكثيف لطلاب المدارس. الطلاب في كل مكان، بعضهم يتحاور مع الفنانين والبعض الآخر يجلس أرضاً مع دفتره ليرسم العمل الفني الذي أعجبه ويقارنه برسم لصديقه. هذا الاهتمام بالفن يدفعني للاعتقاد بأن الحضور الإماراتي على الساحة الفنية العربية سيتطور في السنوات العشر المطلة.

download (16)

التعليقات

المقال التالي