الخصائص الفنيّة لسينما داعش

الخصائص الفنيّة لسينما داعش

كان قطار لينين أحد الأساليب الدعائية التي استخدمها الاتحاد السوفياتي لترسيخ أفكاره الشمولية. كان القطار يعبر القرى ليعرض فيها الأفلام ويوزع المنشورات والكتب. الآن ينحو تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) المنحى نفسه جاعلاً من منصات النشر الرقمية المختلفة وسيلة لإذاعة أفكاره والتأسيس لخطابه، ومستخدماً أحدث أساليب الدعاية المعاصرة إقناعاً: الصورة. كثيرة هي الإنتاجات التي ينشرها تنظيم داعش عبر قنواته المختلفة، مثل الفيديوهات القصيرة التي ترصد معالم تحركاته اليومية كـ”سلسلة الحياة”، أو تبعث رسائل للكفّار داخل أراضي الإسلام كـ”نوافذ على أرض الملاحم” أو تبشر بدولة الخلافة وترسم منهجها وأسلوب عملها كـ”إنها خلافة وربّ محمد”.

اعلان


إلا أن هذه الانتاجات تأخذ مناحي أكثر ملحمية، عبر مؤسسات الإنتاج التي قدمت أفلاماً يمكن تصنيفها في خانة الأفلام الوثائقية أو التسجيلية. مؤسسة الفرقان ومؤسسة خيبر ومؤسسة دابق ومؤسسة الحياة تعنى كلها بإنتاجات بصريّة تخضع بصورة كاملة للرؤية التي تريد داعش نقلها. وقد أنتجت هذه المؤسسات عدداً من الوثائقيات التي ترصد تحركات التنظيم وترسم معالمها المختلفة في الداخل الخاضع لها أو على حدودها التي تتغير بصورة يوميّة، بالأخص في ظل ضربة التحالف الدولي. مشاهدة هذه النتاجات ومتابعتها يعكس العديد من الخصائص المشتركة في ما بينها.

عناوين فارقة

أهم ما يميز الأفلام المختلفة التي أنتجتها داعش هي أسماؤها التي تراوح بين اقتباسات قرآنية كـ”واقتلوهم حيث ثقفتموهم” أو صيغ تختزل مضمون الفيلم بصورة شعرية، وبألفاظ جزلة كـ”السهم الخائب” و”صليل الصوارم”. يُلاحظ أن هذه العناوين مرتبطة بالسلاح والفعل المادي للجهاد، وهي فاتحة لما يحويه الفيلم وتمهيد لفظي لما قد يتوقعه المشاهد.

جمهور متنوع

الجمهور الذي تستهدفه دولة الإسلام متعدد، فرغم عدم القدرة على تحديد من يتابع الأفلام بدقة لأنها تنشر عبر يوتيوب، فمن الممكن استشفاف ذلك من طبيعة الفيلم ومحتواه. في البداية كان الهدف هو تعريف العالم ببدايات تأسيس داعش كما في فيلم “إنها خلافة وربّ محمد” بهدف جذب الجهاديين من جميع أنحاء العالم، ثم أصبح التركيز على الغزوات والفتوحات التي يقوم بها التنظيم وإنجازاته الميدانية كما في سلسلة “صليل الصوارم” وفيلمي “فشرد بهم من خلفهم” و”اقتلوهم حيث ثقفتموهم” اللذين يستهدفان كل من يحاول الوقوف في وجه “دولة الإسلام” من حكومات في المنطقة العربية. أما آخر أفلام داعش “لهيب الحرب”، فموجّه إلى أمريكا، أو إلى “الصليبيين الجدد”. وهو ناطق باللغة الإنكليزية على عكس الأفلام السابقة ويعرض في نهايته مايعتقد أنه مواطن أمريكي يقوم بإعدامات ميدانية.

 

الموسيقى التصويريّة

تلعب المؤثرات الصوتية دوراً بارزاً في البناء الدرامي  للفيلم. الخلفية دائماً تحوي أصواتاً واقعية من ميدان القتال تغلب عليها أصوات الرصاص  والقذائف والتهليل والتكبير والآيات القرآنية. لكن الأهم هو الأناشيد التي تختلف باختلاف المضمون، فهي إما تدعو للجهاد وتحث المقاتلين للذود عن الحياض، أو زاخرة بأبيات شعرية تشحذ النفوس والهمم. ما يميز هذه الأناشيد هو عذوبة صوت من يؤديها وخلوّها من الآلات الموسيقيّة لأنها تعتمد على الإنشاد واستيلاد الإيقاع من الكلام نفسه.

المؤثرات البصريّة

الأساليب البصرية المستخدمة في إنتاجات داعش تختلف جودتها وقدرتها على الجذب باختلاف المؤسسة المنتجة والجمهور المستهدف. ففي فيلم "سهام الموت” نلاحظ استخدام التقنيات البسيطة التي لا تتعدى الصيغ الجاهزة ضمن برامج المؤثرات البصريّة، كما يتم الاعتماد على اللقطات الجاهزة من الانترنت لأحداث ماضية. لكن ينتقل الانتاج بعدها إلى الكاميرات الثابتة والمتنقلة التي تلتقط تحركات المجاهدين في أرض المعركة ليلاً ونهاراً، كما في “صليل الصوارم”، مع استخدام تقنيات التصوير الليلي واللقطات الخطيرة على حياة المصوّر لاقترابه من جبهات القتال والرصاص. لكن الأكثر تميزاً في المؤثرات المستخدمة هو “لهيب الحرب”، لكونه أقرب إلى إنتاج هوليودي بما يحويه من ألاعيب بصرية، إذ تكثر فيه المؤثرات المستمدة من ألعاب الفيديو ومن الأفلام السينمائية كالحركات المبطّأة جداً Super Slow Motion.

أسطورة الجهادي

تطغى العناصر الأسطورية على أساليب القتال في وثائقيات دولة الإسلام، بحيث يبدو المقاتلون كأنهم فرسان خرجوا من الكتب أو من أحاديث التراث بما لديهم من صفات لا يمكن أن تجتمع إلا في قلّة من الناس، كما ترسم معالم جمالية للعنف تجعلها أقرب إلى أفلام كونتين تيرنتينو Quentin Tarantino وأوليفر ستون Oliver Stone. تحاول هذه الانتاجات أن تستعيد صفات البطل المغمور لا النبيل، مظهرةً مقاتلين مهمّشين اجتمعوا من أقاصي الأرض، ومظلومين يحاولون الذود عن أرض الإسلام واستعادة الحق المُستلب. حتى مشاهد موت بعضهم ترسم حول القتلى هالة من القدسية، فنراهم يقاتلون بشدة في البداية ثم نرى بعضهم وقد اغتالهم الأعداء وهم مستلقون ومبتسمون  إثر نيلهم الشهادة.

الحبكة

الحبكة التي  تبنى على أساسها هذه الوثائقيات بسيطة، فهي تصوّر انتقال المقاتلين من مكان إلى آخر، أو العمليات التي دارت في مدينة ما، أو الانتصارات. المهم في الحبكة هو آخر ما قام به التنظيم من إنجازات اعتماداً على تسلسل زمني، بحيث تبنى بعض الأفلام على أساس كرونولوجي يقارن بين ما يقوم به أعداء دولة الإسلام وما تقوم به الأخيرة للرد عليهم، أو بداية المعركة فذروة القتال ثم النصر.

الصناعة السينمائية لداعش تزداد اتقاناً، حتى مشاهد قطع الرؤوس تزداد درامية بسبب أساليب التخويف المستخدمة فيها. إنها أفلام محرضة وباثّة للرعب، ولا يمكن إنكار الحماسة التي تشعلها داخل النفس، فالأناشيد الجهادية في الخلفية وشدّة المقاتلين تدغدغ الحس الجهادي لدى بعض المشاهدين الميالين “للجهاد” كما تزرع القلق في قلوب الآخرين.

عمّار المأمون

صحافي سوري مساهم في عدد من الصحف والمجلات العربية، حاصل على ماجستير في الإعلام وليسانس نقد ودراسات مسرحية.

التعليقات

المقال التالي