الشاعرة النانة الرشيد: "أدفع ثمن التعتيم الإعلامي العربي على القضية الصحراوية"

الشاعرة النانة الرشيد: "أدفع ثمن التعتيم الإعلامي العربي على القضية الصحراوية"

النانة الرشيد شاعرة صحراوية وعضوة في جبهة البوليساريو. برز اسمها خلال السنوات الأخيرة كأكبر شاعرة صحراوية ونشرت ثلاثة دواوين ترجم أحدها إلى الفرنسية فيما تعمل حالياً على ديوانها الرابع "هديل جرح" وتكتب أولى رواياتها. تتميّز تجربة النانة الرشيد بوفائها للشعر الحر. رصيف22 أجرى معها الحولر التالي.


قد يكون من المفارقة أن شاعرة من عرب الصحراء تصرّ على كتابة الشعر النثري عوضاً عن الشعر العمودي، ما السبب؟

أمنيتي الوصول لقصيدة النثر الحقيقية التي عشقتها مع محمد الماغوط، لكني لا أكتب الشعر النثري مع تحفظي على المصطلح الذي يوحي بانفلات الشعر نهائياً من صفته. أكتب شعر التفعيلة بوزنه وقوافيه وموسيقاه الداخلية، لكن باحترام حريتي النفسية والوقوف عند حالتي الوجدانية أثناء الكتابة. لا تفسير لي للأسباب التي تدفعني لكتابة الشعر منثوراً أو موزوناً أو حراً أو لماذا ابتعدت عن القصيدة العمودية وأنا بحكم الصحراء والتاريخ وريثة شعر حقبة ما قبل الإسلام. لي على الشعر العمودي الكثير من المآخذ، أهمها أن بحر القصيدة وقافيتها يفرضان الوعي التام بالنص وضرورة تنقيحه كي يتلاءم مع القالب القانوني للقصيدة. في حين أنّ الشعر الحديث يفسح الكثير من الحرية التي تجعل القصيدة تأتي كما تعتلج بالخاطر وتأتي موسيقاها وقوافيها حسب الحالة التي يعيشها الشاعر أثناء الكتابة.

شاعرة أم عضوة في جبهة البوليساريو، أيهما الجوهري بالنسبة لك؟

الجوهر دائماً هو الشعر، به أكون وبه أنا موجودة ومختلفة. كوني أنتمي لحركة تحرير، وهي البوليساريو، لا يجعلني في صراع أولويات أو أصل أو فرع، لأن البوليساريو هي حركة تحرير تلبّي تطلعاتي في تحرير الصحراء الغربية كغيري من أبناء الشعب الصحراوي.

ألا يفرض وجودك كعضوة في جبهة مسلحة على شعرك شيئاً من الإكراه السياسي؟

منذ البداية، جعلت شعري في معزل عن أي إكراه. أنا أنتمي لحركة لا أتناقض معها في الطرح عموماً، وشعري بعيد عن المناسباتية عموماً، ولي ولغيري حرية أن نعبر ونكتب عما نشاء. لهذا، لا أواجه إكراهاً بمعنى ضغط من نوع كان.

للشاعر السياسي جمهور مع سبق الإصرار. هو الجمهور الذي يتبنى الشاعر وجهة نظره. ألم يخدمك ذلك؟ وما هو ثمن "تورط" الشاعر في السياسة المحلية؟

شعري لا يزال سليماً معافى من التورّط كثيراً في السياسية وجمهورها. هناك إشكالات ومعطيات تنقص معرفتها حول جمهوري السياسي إن صحّ التعبير. هو جمهور يهتمّ أساساً بالشعر الشعبي أكثر من اهتمامه بالشعر الفصيح. ويهتمّ بالشعر العمودي بدون أي اعتبار للشعر الحديث، هذا في غالبيته طبعاً. أهتم لأن يكون جمهوري مختاراً من أنحاء العالم العربي لا من محيطي الضيق القريب.

من خلال قراءة قصائدك، نلاحظ حضوراً قوياً للأنثى حتى في الشعر السياسي. ما ردك؟

أنا أنثى أولاً وأخيراً، والشعر يأتيني منساباً لا دخل للاصطناع أو التقرير فيه. كما لا يروقني أبداً أن "أسترجل" لا في الشعر ولا في اليوميات. أحب جداً الأقدار التي أوجدتني أنثى. فأرى السياسة والوطن والحروب وكلّ ما يحيط بي بعيني الأنثى التي أكونها.

لا نزال نصف الأدب "نسوياً" و"ذكورياً". أين أنت من هذا التصنيف؟

تصنيف الأدب إلى نسوي وذكوري أطلقه البعض وأصبح رائجاً. لكن الأدب هو أدب في النهاية سواء كان الكاتب ذكراً أو أنثى. أعتقد أن هذا التصنيف يُكرّس التمييز بين الجنسيين وهذا غير لائق. علينا أن نقرأ النص الأدبي لكاتبه الإنسان الذي يتفاعل مع محيطه القريب والبعيد بدون الغوص في اختلافات قلم الأنثى عن قلم الذكر.

 

نلمس أحياناً في حديثك صدمتك من حصار الإعلام العربي للبوليساريو.

بالفعل يُحاصر الإعلام العربي القضية الصحراوية ويتجاهلها ويتناساها، حتى أنك تجد إعلاميين لهم باع طويل في العمل الصحفي لا يعرفون أي معلومة عن القضية الصحراوية ولا عن الشعب الصحراوي. كما أن التعتيم الممنهج ضد القضية الصحراوية تطال مساوئه المثقفين الصحراويين عموماً. عدم الاهتمام بالتمثيل الصحراوي في مختلف الفعاليات الثقافية العربية يكرّس غياب المثقف الصحراوي، وأقصد الشاعر تحديداً. لقد حاولنا المشاركة في عددٍ من الفعاليات والمؤتمرات والأمسيات وحتى المسابقات. ولكن لأنني من الصحراء الغربية غير المعترف بها في الخارطة العربية، ولأنني أنتمي للبوليساريو، أجد نفسي مقصية من هذا المشهد. هنا، أدفع ثمن التعتيم الإعلامي العربي كشاعرة  قبل كل شيء.


هل زوجك هو القارئ الأول لما تكتبين؟ وهل تهتمين برأيه في شعرك؟

لا علاقة لزوجي بما أكتب. ما يعلمه هو أني شاعرة فقط والأمر ينطبق على كل محيطي العائلي. مع توفر مساحات للنشر، لم يعد مهماً أن تبحث عن قارئ أول أو ثانٍ للنص الجديد. وربما من سوء حظي أو من حسنه أن محيطي العائلي كله بعيد كل البعد عن الاهتمام بالشعر أو حتى بالثقافة. أحاول التعويض عن هذا النقص الكبير في حياتي مع أولادي إذ أحاورهم كلما سنحت الفرصة عن الشعر وأحثّهم على حفظه وأشجعهم على المطالعة رغم صغر أعمارهم.


لماذا لم تجربي الاقتراب من كتابة الرواية على غرار عدد من الشعراء الآخرين؟

قبل سبع سنوات كنت مع صديق قدير يعمل صحافياً في قناة الجزيرة. أقنعني بأن الزمن زمن روائي وأني سأخدم قضيتي بالرواية أكثر من الشعر. بدا لي الأمر صعباً للغاية في البداية لكنّ الفكرة أقنعتني حتى أني استسلمت لغمار التجربة وأتمنى أن أوفّق. قبل عام، وجدتني معنية بالنص أكثر من غيري في تسييج العلاقة بين الشعب الموريتاني والصحراوي بالورود والأزهار. فاخترت أن أكتب رواية غرام صعب بين شابة صحراوية تعيش في المخيمات وشاب موريتاني مرموق المكانة.

التعليقات

المقال التالي