لا يحبون فيروز! علّقوا المشانق

لا يحبون فيروز! علّقوا المشانق

منذ الولادة وبدايات تكوّن الذاكرة، تشكل فيروز حتمية موسيقية صباحية لديك، وقبل أن تبحث عن مصدر هذه الحتمية، تجد نفسك متورطاً بشكلٍ أو بآخر بها، لتصبح أغاني فيروز– التي تبث على الإذاعات وفي بعض المحال والمقاهي والسيارات العمومية دفعة واحدة– خلفية صوتية شبه غائبة عن تركيزك. "أغنية أخرى لفيروز"، وتتابع. أن تسأل لماذا تحبون فيروز ليس بالأمر الصعب، كثير من الأجوبة ستردك، ومعظمها سيبدو منطقياً، وأن تقول إنكَ لا تحبها، فهو أمرٌ مقبول إلى حدٍ ما، وإن كان سيحمل بعضاً من التشكيك بذائقتك الموسيقية، ولكن أن تنتقدها... فهذا ليس بالأمر السهل، خصوصاً إذا أُطلق النقد من على منبرٍ عام.

في مقابلة صحفية لنجل السيدة فيروز زياد الرحباني مع موقع "العهد"، تمكن تصريحه بأن السيدة فيروز تحب السيد حسن نصرالله الأمين العام لحزب الله، أن يطغى على مجمل الآراء السياسية النارية التي أطلقها في المقابلة نفسها. أثار تصريحه هذا سلسلة واسعة من ردود الفعل. الصحفي والكاتب حازم صاغية قال في منشور على موقع فيسبوك: "لا أدري لماذا يستهويني استخدام تعبير الراحلة فيروز". بعد ساعات قليلة، بدأت المقالات الصحفية وغير الصحفية بالرد عليه، ولم تقتصر الردود على الدفاع عن السيدة فيروز فحسب، بل تعدته متهمةً شخص حازم صاغية بتُهمٍ شتى.

نادين عيسى اعتبرت صاغية في مقال على مدونتها بيسان "من صحفيي النفط (...) تسوّل له نفسه أن يتعرّض بالسوء لقامة كالسيدة فيروز". قبلها  كتبت ضحى شمس، التي سبق أن عملت مستشارة إعلامية لفيروز، مقالاً بعنوان "فدا صرماية الست"، قالت فيه إن صاغية "يقوم بتصفية معنوية" للسيدة فيروز، هو الذي "يكره (الضيعة) ويريد تلخيص أم كلثوم وتصفية السيدة (…) هو في الحقيقة يكره نفسه".

خارج سياق التمجيد

كثيرون هم الذين لا يستهويهم سماع فيروز. الصحفي والمدوّن وليد بركسية يكره أنه "من نتاجها الكبير" لا يمكنه الاستماع إلا "لعدد محدود من الأغنيات عن طريق الصدفة غالباً"، ويكره أن يبدأ صباحاته وفق العادة السائدة في سوريا "بسماع فيروز وهي تنوح وتبكي على حبيب غائب لا تستطيع استبداله أو تجاوز فكرة إيجاد حب جديد أو أمل جديد". لا يعتبر بركسية أن ما سبق ينتقص من قيمة فيروز "كمغنية حقيقية وأسطورة فنية"، ولكن "أغانيها هي التي تغيظني حقاً، غالبيتها رديئة"، بالإضافة إلى كون كلمات أغانيها تحوي "مازوخية حقيقية".

ربما كان الأمر أكثر منهجية وتفصيلاً عند عمر بقبوق، خريج قسم الفلسفة في جامعة دمشق والطالب في قسم الدراسات والنقد في المعهد العالي للفنون المسرحية بدمشق. ينتقد بقبوق الاعتقاد السائد بأن ألبومات فيروز مع زياد الرحباني أسوأ من سابقتها، فهو على العكس يرى أنها "انتقلت لأداء نمط موسيقي أرقى وأكثر فنية". رغم ذلك يجد أنها "لم تنجح في التأسيس للثقافة الشرقية للجاز". بعض أغاني فيروز في رأي عمر "لا ترقى لتكون أغنية، ولا يمكن أن تشتهر أو أن يستمع لها أحد لو لم تكن فيروز تملك تلك القاعدة الشعبية العالية التي تمتلكها".

أما ياسر المأمون (مهندس معماري)، فيرى أن نجاح فيروز "نجاح مركب"، إذ اجتمعت "نقاوة الصوت مع إبداع الرحابنة ووجود عدد هائل من الموسيقيين". يعتبر رغم ذلك أن "فيروز تبقى موسيقى الصباح مع فنجان القهوة، عندما أريد أن "أصحصح"".

الفيرونازية

"لستِ متذوقة فنياً"، هذا الاتهام يرمى في وجه لمى بدور (صحفية مستقلة) في كل مرة تبدي فيها عدم محبتها لفيروز، "وتظهر على الطرف الآخر علامات الدهشة والاستغراب". عمر بقبوق، الذي ينكر "أي أثر جيد لها على الصعيد المسرحي والأداء التمثيلي" يجد أن المشكلة ليست في فيروز بحد ذاتها، إنما في كون "الغالبية لدينا تميل إلى التعظيم والتقديس". وليد بركسية يجد أنه "مزعج تحول مغنية مهما كانت جيدة وذات صوتٍ نادر إلى إلهة أو شبه إلهة" ويصف ردود الفعل تجاهه حين ينتقدها بإنه يلمح "في نظرات من حوله نوعاً من الشفقة على حالتي لا أكثر".

منذ حوالي العام كتبتُ تدوينة بعنوان مقال آخر عن فيروز أتهكم فيه على تقديسها المبالغ به أحياناً. إحدى قارئات المقال كانت تنتظر أن يكون المقال مجرد مزحة، وأخرى اعتبرتني "مبتدئ شوي". بدأتْ الآن بالتأكيد بعض الأقلام الفيرونازية بالتأهّب للرد، ولكن قبل أن تنشروا ردودكم، اسمحوا لي أن أكرر ما قلته في تلك التدوينة "كلما كبرت الظلال صغرت المساحات القابلة للرؤية بالعين المجردة"، وربما بعد زمنٍ لن تجد المواهب المؤنثة التي تصعد بشق الأنفس مثل ريما خشيش ومكادي نحاس وريم بنا ومي نصر، بل حتى ماجدة الرومي، مساحة نستطيع رؤيتهن فيها، وفي حين سيكون لدى بريطانيا– مثلاً– مئات القامات الموسيقية التي يعترف بها العالم أجمع، لن يكون لدينا في اثنين وعشرين دولة عربية "ما نفخر به سواها، في حين سيكون لدى الآخرين مئة فيروز".

مناف زيتون

كاتب ومدون وصحفي سوري.

التعليقات

المقال التالي