اللوحة التشكيلية كسلعة في سوق الملايين

اللوحة التشكيلية كسلعة في سوق الملايين

تشكل الأسعار الخيالية لبعض اللوحات التشكيلية واحدة من أكثر نقاط الاصطدام حدّة بين العامة، ومفهومهم الكلاسيكي للإبداع، وبين ما قد يُنسب إلى أعمال بعض الفنانين من تجديد وإنجاز عظيمين يبدو رغم ذلك شاذاً في سياقه الزماني، أو قياساً إلى ذوق هذه العامة على الأقل. إذ لا يستطيع، بل لا يريد التيار الأوسع من الناس تقبل الكيفية أو الأسباب التي قد تقف وراء بيع لوحة غريبة وغامضة بعشرات الملايين، كما هو الحال، مثلاً، مع عمل قد يرونه "عادياً" أو "عادياً جداً" بل حتى "تافهاً" مثل لوحة "الأحمر والأزرق الملكي" للتشكيلي الأميركي مارك روثكو Mark Rothko التي بيعت بـ75  مليون دولار نهاية العام 2012.

اللوحات التشكيلية - الأحمر والأزرق الملكي

اعلان


فالشخص "العادي" المستعد، في أفضل الأحوال، لتقدير غلاء بعض الأعمال الكلاسيكية الخالدة، مثل اشتغالات مايكل أنجلو Michelangelo أو ليوناردو دافنشي Leonardo da Vinci أو فان غوغ Van Gogh أو بيكاسو Picasso أو دالي Dali، لن يتفهم أن يصل سعر لوحة روثكو التي لا تحوي إلا على مساحات أفقية متتالية من ثلاثة ألوان، إلى هذا الرقم الخيالي.

قد تشفع لأنجلو ودافنشي والآخرين شهرتهم التي كرستها لدى العامة سنوات طويلة من تصدر المشهد الفني وبساطة العمل بالنسبة إلى الناس (أو هكذا يمكن أن يعتقدوا)، لكن ليس ثمة شيء يقنع هؤلاء الناس بأن لوحة مثل "رقم 5، 1948" للأميركي الآخر جاكسون بولوك Jackson Pollock، يمكن أن يصل سعرها إلى أكثر من 140 مليون دولار رغم أنها، كحال لوحة روثكو، لا تبدو بالنسبة إليهم أكثر من "شخبطة" ألوان.

اللوحات التشكيلية - لوحة روثكو

لا بد من القول إن المعايير التي تحدد قيمة الفن، والمعايير التي تحدد العلاقة بين هذا الفن وثمنه والجمهور، قد تغيرت كثيراً منذ العصر الكلاسيكي إلى اليوم. فالرسم الزيتي الذي كان الكاميرا الخاصة بتلك الفترة والفترات التي تلتها، لم يعد اليوم كذلك، بل بات إحدى الوسائل المستخدمة إبداعياً عما يجول في الرأس من أفكار مجردة ولا يمكن حصرها بالضرورة في قالب منطقي يتوقعه المتلقي العادي.

لكن كلاماً كهذا لا يعني أننا نبرر هنا أن تصل أسعار لوحات بعض التجريبيين والرواد إلى ما وصلت إليه. بل العكس، تجب الإشارة إلى أن هذه الأثمان الباهظة لم تكن لتوجد لولا تحول جزء كبير من الإنتاجات التشكيلية إلى ما يشبه سلعاً فنية في السوق المعاصرة. ومن المعروف أن ما يحدد السلع أكثر من قيمتها، هو العرض والطلب عليها. ومن هنا، يمكن فهم الأرقام الغريبة التي تقترن ببعض الأعمال المباعة في المزادات الأميركية والأوروبية.

ويختلف "العرض والطلب" الخاصان بوقتنا الحالي عما كانا عليه الحال في زمن أنجلو مثلاً. فبعد أن كانت الكنيسة هي محرك ذلك الزمان، وهي التي تحدد السوق وتحتكره، صارت السياسة والاقتصاد والميديا، منذ عقود، هي المركز الفعلي الذي تدور في فلكه كل المفاهيم الأخرى، بما فيها الفن.

ورغم الطليعية والريادة التشكيلية التي تتميز بها أعمال روثكو وبولوك، مثلاً، إلا أن هذا لوحده لا يكفي لأن تصل أسعار لوحاتهما إلى ما وصلت إليه. ويمكن القول إن عملية تضخيم أسعار اللوحات التشكيلية تبدأ غالباً بفعل إعلامي يصنع من الفنان التشكيلي أسطورة، وذلك عبر مقالات نقدية وتقارير صحافية أو تلفزيونية تتناول نتاجه بالتفخيم والتعظيم. وبعد لعب الميديا دورها، يأتي دور الغاليريهات، واسمها في عالم الفن، وقدرتها الكبرى على تحديد العرض والطلب في هذا الوسط باعتبارها مؤسسة مركزية فيه اليوم. ثم بعد هذا وذاك، يحدث تنافس اقتصادي بين مقتني الأعمال الفنية على لوحاتهما، مع الإشارة إلى أن التنافس الذي ينشأ بين أصحاب رؤوس الأموال في المزادات غالباً ما يكون معزولاً، إلى حد بعيد، عن قيمة العمل الفني، التي تتغير، لاحقاً، بحسب الرقم الذي يباع فيه. وهذه العملية هي التي تقف بالتأكيد وراء الأسعار الخيالية للوحات روثكو وبولوك.

اللوحات التشكيلية - روثكو وبولوك

وإضافة إلى هذه الأسباب الميديا-اقتصادية، هناك عوامل سياسية تلعب دوراً في إلهاب أسعار بعض اللوحات. ويكفي هنا مثال الفنان العراقي أحمد السوداني الذي يعد أول عربي يبيع لوحة بأكثر من مليون دولار.  فبالرغم من أن أعمال السوداني متميزة بحد ذاتها، إلا أنه لا يمكن التغاضي عن الدور السياسي، والعلاقة العراقية الأميركية بعد احتلال الأخيرة الأول، وراء وصول سعر لوحته "بغداد 1"، التي تتناول لحظات سقوط صدام، إلى ما وصل إليه.

اللوحات التشكيلية - لوحة شهيرة

غير أن كل هذا لا يعني أننا نستطيع تأطير الأسعار التي تصل إليها بعض اللوحات في منطق ما، إذ يكفي أن نذكر هنا أن أكثر اللوحات غلاء في التاريخ، وهي "لاعبو الورق" لبول سيزان، بيعت عام 2011 بـ 250 مليون دولار، دفعتها... العائلة الحاكمة في قطر!

تم نشر هذا المقال على الموقع بتاريخ 22.01.2014

التعليقات

المقال التالي