في سبيل الأدبي

في سبيل الأدبي

في اللحظة التي نجحتُ فيها من الصف العاشر إلى الصف الحادي عشر كان أبي قد قرر أنني سأدخل الفرع العلمي، وذلك كي ألبي طموحه وطموح معظم سكان سوريا بأن يصبح أبناءهم أطباء أو دكاترة. مع المحاولات الحثيثة من الأقرباء لثنيه عن رأيه، كانت أفكار الهروب من هذا الجحيم تراودني، فأنا لا أحب المواد العلمية، بل إنني كسلان فيها! الرياضيات تدمرني، الفيزياء تشلني، الكيمياء تقتلني، لا أحب المواد العلمية، ميولي أدبية، أكتب القصص البوليسية، فلماذا لا أقوم بالمغامرة كي أدخل الفرع الأدبي؟

في نهار من نهارات أيلول مطلع الثمانينات بعد أن افتتحت المدارس، وأنا ما زلتُ على ذمة مدرستي القديمة (المأمون) في حي الجميلية بحلب، التي لا تحتوي فرعاً أدبياً، قررتُ الهروب نحو الشمال الشرقي، إلى الدرباسية مسقط رأسي. الدرباسية حنونة وستستقبلني، وسأدرس فيها بعيداً عن أهلي وأبي الدكتاتور. ركبتُ باص الهوب هوب الملون وكان طبعاً من ماركة “سكانيا يتكلم والفولفو يتألم” كما هو مكتوب عليه... بدأت رحلتي باتجاه الشمال واستغرقت 12 ساعة حتى وصولي إلى القامشلي مروراً بالطبقة والرقة ودير الزور والحسكة، ومن القامشلي رحت باتجاه الدرباسية إلى بيت حمِه أو (أبو صلاح) قريبنا المتزوج من أربع نساء موجودات في بيت واحد، لكل زوجة مع أطفالها غرفة. هل من متسع لي في هذا المهرجان!

قال لي أبو صلاح بعد أن سمع إفادتي وسبب هروبي من أبي، دون أن يتوقف كثيراً عند مسألة الفرع العلمي والفرع الأدبي أساس المشكلة، بأنني أستطيع أن أعيش عندهم وأتابع دراستي، كما أنه صرَّح على الملأ من زوجاته وأطفاله المتجمهرين حولنا في هذا الإجتماع التاريخي بأن الغرفة الإسمنتية الجديدة التي لم يسكنها أحد بعد ستكون غرفتي. نعم الغرفة الإسمنتية، يا للدلال، يا للتميز، فباقي الغرف هي غرف طينية كما درجت عادةُ البناء في الدرباسية... بالفعل قادني صلاحو إلى الغرفة الإسمنتية بعد أن اتخذ قراراً تاريخياً، بغض النظر عن والده، بأنه سيشاركني إياها كي يحميني من العقارب. عقارب! يا سلام، قلتُ في أعماقي مرعوباً، لكنني حافظتُ على رباطة جأشي كي لا أتَّهم بأنني ابن مدينة جبان. نمنا على هواجس العقرب الحبيب الذي سيخرج من إحدى الشقوق ويلدغني لدغة الموت التي سترسلني إلى عالم آخر لا علمي فيه ولا أدبي، لكن العقارب لم تظهر، كما أن الإتصالات من حلب لم تسفر عن قرار مهم لأن حمِه (أبو صلاح) رفض رفضاً قاطعاً تسليمي لأبي، بينما كان أبي يهدد بالقدوم وشحطي من الدرباسية شحطاً إذا لم يرسلني ابو صلاح في أقرب باص. لكن هيهات، فأبو صلاح لا يسلم لاجئاً أو دخيلاً مهما كانت الظروف!

إلا أن الحرب التي كادت أن تنشب أُجِّلت أو علِّقت بسبب أنني كنت أنوي العودة إلى حلب لجلب أوراقي من ثانوية المأمون بعد أن حصلتُ على القبول وورقة اللامانع من مدرسة الدرباسية الثانوية الموحدة والمختلطة أيضاً! نعم كانت المفاجأة السارة أن المدرسة تضم الصبيان والبنات معاً عكس مدارس حلب، لكن المفاجأة الثانية غير السارة كانت أنه لم يكن هناك وجود للفرع الأدبي في ثانوية الدرباسية، فقررت أن لا أتخلى عن المفاجأة الأولى السارة بسبب المفاجأة الثانية غير السارة. قلتُ لنفسي متحدياُ، سأدرس العلمي لكن في الدرباسية، بل وسأتفوق أيضاً. وأنا أسرق النظرات إلى زميلاتي في الصف فتيات الدرباسية الموقرات.

فور وصولي إلى حلب توجهتُ إلى بيت عمتي حيث كنتُ قد طبختُ حركة التمرد مع ابن عمتي مصطفى، وبعد تبادل الأحاديث عن رحلتي مع أبناء عمتي قالوا لي أن الحمَّام أصبح جاهزاً. دخلتُ إلى الحمَّام وأنا أحلم بمجموع الطب الذي سأحصل عليه في البكالوريا بعد عامين، وكيف أنني سأدرس العلمي بناء على رغبتي لا بناء على أوامر والدي، وكيف سأكون محط أنظار الفتيات في مدرستي الجديدة المختلطة، حتى خروجي من الحمّام منتشياً من فرط السعادة والأحلام، لكن دخول الحمام ليس كالخروج منه، فهناك في الصالون كانت الوالدة العزيزة بالإنتظار. خيانة يا شباب! تم تسليم البطل للأعداء، تم تسليم المتمرد الثائر، وبدأت المفاوضات بيني وبين أمي بإدارة عمتي وأولادها العشرة. لن يضربني أبي، وسأسجل في الفرع الأدبي، وإلى اللقاء يا أحلام الدرباسية العلمية التي تبددت في فضاء الغرفة الإسمنتية.

التعليقات

المقال التالي