رواية من تونس: "وداعاً براءة العالم"

رواية من تونس: "وداعاً براءة العالم"

حدثنا الروائي التونسي يوسف رزوقة، قال: "من لم يكن في حيرة من أمره لا يدخلنّ روايتي". ولأننا في حيرة من أمرنا وأمره، دخلنا وسافرنا معه في عشر رحلات، وتوقفنا عند 36 بوابة، كل بوابة منها أشد غرابة وأكثر مدعاة للحيرة من التي قبلها.

في رحلاته عرّفنا على "تاج نوح"، شاعر وروائي، في الـ55 من العمر، من مواليد "وادي العسل". إنه المعادل الروائي لـ"رزوقة" نفسه، متخفياً تحت اسم مستعار: "قبل الوصول إلى هناك، يكون أفضل لو أنا أخفيت، في هذا الزحام، هويتي... فالاسم لا معنى له في زحمة الأسماء. بل إن المؤلف، وهو مني، لم يعش ما عشته، فقتلته. وتركت آخر غيره يحتل ذاكرتي ليكتب ما أنا خزّنته فيها".

هكذا يحكي الروائي شذرات من سيرته الشخصية: دراسته الجامعية، النساء اللواتي أحبهن، أسفاره، يشير إلى أسماء كتبه السابقة، يذكر أسماء أناس حقيقيين من كتّاب ونقاد كتبوا عنه وعن أعماله، مما يقودنا إلى السؤال: هل نحن أمام رواية أم سيرة ذاتية؟ ليفاجئنا بالإجابة بعد بضع صفحات: "لماذا أذهب بعيداً؟ أنا نفسي مادة تروى".

مع ذلك يلعب رزوقة معنا لعبة ماكرة، يعلن منذ البداية موت "تاج نوح" غرقاً في سفينة، ومفاجأة صديقته "نورية أرتاخو" بذلك، وهي التي أتت من بلادها إلى تونس خصيصاً للقائه بناءً على موعد اتفقا عليه، كي تبدأ عملها في كتابة قصة حياته.

يستقبلها صديقه "سلطان أسطون"، يخبرها بموته ويرافقها إلى قريته لتقوم بواجب العزاء، هناك ستتعرف على "سوار"، لتكتشفا معاً أنه قد كتب رواية بعنوان "وداعاً براءة العالم" وأرسلها إلى صديقة له قبل وفاته. تحاولان الحصول عليها وعلى باقي ملفاته، من رسائل وصور وروايات وكتب ألّفها، كل شخصية تحتفظ بجزء ولا تطلع الباقي عليه، تتشابك كل الأجزاء ضمن الرواية الأم، فتغدو كدمية "ماتريوشكا"، كلما بدأ رواية اكتشف القارئ أن في داخلها رواية أخرى، ولكن مهلاً فحتى هذه النقطة يحكي عنها رزوقة في روايته! "أنا بصدد غربلة ما تبقى في منجمي، من متخلدات سردية ورسائل لاستثمارها، إن بشكل أو بآخر، في رواية "وداعاً براءة العالم"، رواية أريد لها أن تكون بمثابة "ماتريوشكا" (...) تتداخل أكثر من رواية في هذه الرواية في إشارة إلى الدمى الروسية المتراكبة حسب تدرج أحجامها".

تمتلئ الرواية بتعليقات "تاج نوح" على الأحداث التي شهدتها تونس أثناء الثورة التونسية وما بعدها، يسأل عن مآل الثورة وآمالها، ويعبّر عن أسفه وحزنه لازدياد عدد الجهاديين في البلاد، مذكراً بأحداث جبل الشعانبي عام 2013. تكون لحظة إحراق "البوعزيزي" لنفسه، هي اللحظة التي يعود إليها دائماً، هذه اللحظة المحمّلة بالدلالات، يعود ليناقشها من زوايا مختلفة في كل مرة، على امتداد العمل.

تحضر أيضاً لحظات هامة في التاريخ التونسي، كاستقلال تونس، ومظاهرات كرامة العمال عام 1977، كما يصور الحياة في ظل نظام "زين العابدين بن علي". لكنه لا ينقل الحدث التاريخي فقط، بل يذهب إلى أبعد من ذلك: يناقشه فلسفياً، يحلل أبعاده، يستشهد بمقولات فلاسفة وأدباء وعلماء ويجادلها، ويعلق عليها، فتراه مثلاً يستحضر "نيتشه" Nietzsche، "كافكا" Kafka، "سقراط" Socrates، "أوكتافيو باث" Octavio Paz، "مارك توين" Mark Twain.

ينظر إلى التغيّرات التي حدثت في العالم: تفشي العنف، ازدياد الرذيلة والفساد، تفكك العلاقات الحميمة، تحوّل الحياة إلى حياة استهلاكية شرسة، ازدياد الجهل والتخلف، موت المثقف إذ أغراه عالم السياسة فتوجه إليه، يكشف الزيف في الوسط الثقافي، ويدين فقدان الإنسان لإنسانيته شيئاً فشيئاً، ثم يعلن: "ذهبت براءة العالم وبراءة المقيمين فيه! وداعاً براءة العالم!".

أمام هذا الحزن كله، الحزن على العالم، يطالعنا حزنٌ أعمق وأكثر إيلاماً. يأخذنا الراوي إلى أعماقه، يحكي عن موت ابنته "رشا" (يسميها "ندى" في الرواية) في السادسة والعشرين من عمرها، وما تركه ذلك من أثر في نفسه، وفي كتاباته، حتى أنه يكتب إهداء الرواية لها.

بين هذا كله، لا ينسى أن يضيء على جمال تونس ومناطقها، فتراه يصف "شارع الحبيب بورقيبة"، "جبل الشعانبي"، "هرقلة"، "الجمّ وقصرها الروماني"... ومما يقوله، مثلاً: "وسيدي بو سعيد لمن لا يعرفها، جنة أرضية، على بعد عشرين ميلاً شمال شرق العاصمة. هي أول موقع محمي في العالم، تأسست في القرون الوسطى، تقع في أعالي منحدر صخري يطل على قرطاح وخليج تونس. هي ضاحية سياحية بامتياز، بيوتها بيضاء ذات أبواب عتيقة يغلب عليها اللون الأزرق".

هكذا، تشعر وأنك تقرأ في معجم للبلدان، ولكن مهلاً! فالروائي التونسيّ لم يترك شيئاً إلا ضمّنه روايته، وضع فيها مسرحية كاملة: "ثاني معجون الإنسان"، وبضع روايات قصيرة: "الأرخبيل" و"تفاح نيوتن"... ويوميات ومذكرات، وبعض مقاطع شعرية، وأمثالاً شعبية، ودراسات استطلاعية، بل حتى نكتاً وطرفاً، ومحادثات "تشات" فيسبوكية!

أدخل القارئ في متاهاته، وتركه متخبطاً، لا يعرف من أين بدأ ولا أين انتهى! هل الراوي "تاج نوح" أم "سلطان أسطون" الذي سطا على حياته ورواياته ويومياته؟ هل مات "تاج نوح" فعلاً أم أنها خدعة أخرى؟ النهايات ستجتمع مع البدايات ويتكشف كل الغموض، كل ما استغلق من ألغاز الرواية تجده ضمنها، لا شيء كتب عن عبث ولا شيء يُشرح من خارجها، كل شيء هنا في متونها، وما عليك إلا امتلاك الصبر ومتابعة القراءة، ألم يحذرنا منذ البداية: "من لم يكن في حيرة من أمره لا يدخلنّ روايتي"؟

يوسف رزوقة كاتب وشاعر وروائي تونسي، من مواليد قصور الساف 1957. له مؤلفات متنوعة تزيد على الثلاثين في مختلف المجالات، مكتوبة بلغات عديدة. من مجموعاته الشعرية: "برنامج الوردة"، "الذئب في العبارة"، "أزهار ثاني أكسيد التاريخ"، و"يوغانا– كتاب اليوغا الشعرية". له في الرواية: "الأرخبيل"، "مسمار تشيخوف"، و"وداعاً براءة العالم". كتب روايات للأطفال واليافعين: "وطارت البرتقالة"، "أرض المجاز"، "جنة الشيطان"، و"تفاح نيوتن".

حاصل على بضع جوائز، منها جائزة وزارة الثقافة التونسية لأدب الطفل 1993، جائزة وزارة الثقافة التونسية للشعر 1986، جائزة الملك عبد الله للآداب والفنون– الأردن عن مجمل أعماله الشعرية 2004.

فايز علام

فايز علام كاتب سوري يعمل محرراً وعضواً في لجان القراءة في عدد من دور النشر. مهتم بالشأن الثقافي وبصناعة النشر في العالم العربي. يعدّ حالياً بحثاً عن الرواية العربية ويكتب بشكل مستمر لرصيف22.

كلمات مفتاحية
تونس رواية22

التعليقات

المقال التالي