سعيد صالح، المشاغب الأعظم

سعيد صالح، المشاغب الأعظم

أن تكتب عن سعيد صالح هو فعل شديد السهولة. ما عليك إلا أن تدخل اسمه في محرك البحث حتى تجد عشرات المواقع التي تزخر بمعلومات لا حصر لها عن مسيرته وأعماله ومعاناته الأخيرة مع المرض التي انتهت بدخوله في غيبوبة ومفارقته للحياة. أرقام وتورايخ وأسماء أعمال حققت نجاحات كاسحة، جعلت من صالح أحدى أيقونات الثقافة الشعبية المصرية منذ نهاية السبعينات من القرن الماضي حتى يومنا هذا. ليس هناك من عرض مسرحي يعاد تقديمه منذ سنوات على كل القنوات، ويظل محتفظاً بطزاجته كأنه خارج لتوه من فرن ساخن، مثل مسرحيتي "مدرسة المشاغبين" و"العيال كبرت" اللتين  جمعتا نجوم الجيل الذهبي أو "فراودة" الكوميديا.

اعلان


عندما أغمض صالح عينيه للمرة الأخيرة، امتلأ تويتر وفيسبوك بطوفان كاسح من لقطات لصالح ورفاقه في عدد من الأعمال  المعروفة كما أصبح صالح بعد دوري "مرسي الزناتي" و"سلطان السكري إبن رمضان السكري" أيقونة شعبية للشباب بسخصية المتمرد العدمي اللامبالي الدونجواني.  لم يغادر هذان  الدوران ذهن الجمهور العربي، رغم تمثيل سعيد ما يفوق 300 دور.

انطلق صالح كصاروخ كوميدي في مسرحية "هالو شلبي" التي تحمل توقيع مدبولي كمخرج. قام صالح بدور المؤلف القروي الساذج القادم من أعماق الريف، واشتهر بلقطة "أستك منه فيه"، فقد كان الكثير من الناس حينها يرتدون الجورب وحده والأستك (الحلقة المطاطية) وحده أيضاً وكان ظهور الجوارب ذات الأستك الداخلي جديراً بالاحتفاء. كرر الجمهور مراراً  جملة سعيد "أشده يلسعني" وجوابه عندما كانت تسأله مديحة كامل "وتشده ليه؟" فيجيب: "عشان يلسعني".

جمع المنتج سمير خفاجي عادل إمام من مسرح فؤاد المهندس، بسعيد صالح من مسرح مدبولي في مسرحية "مدرسة المشاغبين" التي استمر عرضها حوالي 5 سنوات، لتكسر تقليداً دأب عليه المسرح المصري في ألا تعرض المسرحية أكثر من موسمين. وقد لاقت المسرحية عاصفة من الهجوم النقدي الذي اتهمها بإفساد الجيل. كان عادل إمام زعيم الطلبة المشاغبين واحتفظ لنفسه بهذا اللقب طويلاً ولكنه لم يكن في الواقع مشاغباً، بل مخططاً ذكياً ودؤوباً، بينما ترك صالح نفسه للرياح تقوده ليكتمل الإطار وتمتزج شخصياته المسرحية مع شخصيته في الحياة.

سعيد صالح لم يكن يحسب خطواته مثل عادل إمام، فكان يقدم أعمالاً متفاوتة القيمة، بعضها من أجل المال وبعضها من أجل الحضور على الساحة، وكان يؤديها بروح الهواية. هل كان سعيد صالح معدوم الشغف غير مكترث بجودة ما يصنعه؟ الإجابة تحملها حواراته العديدة التي يقول فيها: "أقبل بكل ما يعرض علي لأستطيع أحياناً أن أفعل ما أريد".

لكن هل فعل صالح ما يريد؟ لقد خاض الكثير من التجارب، فقدم مسرحاً متجولاً في قرى مصر، ولكن هذا المشروع لم يكتمل على غرار مشاريعه التي توقفت أحياناً بإرادته وأحياناً رغماً عنه.


لتكتمل صورة المشاغب، دخل صالح السجن مرتين. مرة  بسبب خروجه عن النص في سابقة هي الأولى من نوعها. وقد جاء في تقرير الرقابة عن مسرحية "كلام حبيبي" أن صالح قال مقارناً بين جمال عبد الناصر والسادات ومبارك: "واحد أكلنا المش والتاني علمنا الغش والتالت لا بيهش ولا بينش" والمش هو الجبن الصعيدي الذي يأكله الفقراء. أوقفت الرقابة المسرحية وتم حبس صالح 45 يوماً. وخرج من تلك التجربة أكثر شغباً ,عناداً وقرر أن يؤسس مسرحاً سياسياً أدخل فيه نقداً واضحاً وصريحاً للدولة. عانى كثيراً من مشاكل رقابية وسخر من هذة المشاكل في مسرحية "حلو الكلام" التي عرضت على مسرح "شط إسكندرية" عندما كان الجمهور يفاجأ بصعود ممثلين يقومون بدور رجال شرطة يقبضون على صالح في وسط العرض. تم أيضاً وقف عرض مسرحيته "إزاز ف إزاز" بسبب مشهد كان يقف فيه على المسرح ممسكاً بسنارة صيد، وعندما يسأله الفنان عبد الحفيظ الططاوي: ماذا تفعل؟ يجيبه "بصطاد نسوان".


لم يكتف سعيد صالح في مسرحياته السياسية بالتمثيل فقط، بل قام بتلحين أغان لأحمد فؤاد نجم وبيرم التونسي وفؤاد حداد. علماً أنه جسّد دور بيرم في مسرحية من إنتاج مسرح الدولة الذي كان حينها تابوه محرم على نجوم مسرح القطاع الخاص. قوبل العرض بهجوم نقدي ولكنه نجح جماهيرياً، فكان رد سعيد على الهجوم "دول نقاد ولاد ... ده أنا إبن بيرم يا بقر!". ظهر افتتان سعيد ببيرم في اللحن البديع الذي لحنه في مسرحيته السياسية "كعبلون "لأغنية "أنا اتلهيت وخدل زندي".

لم يتوقف whgp عن الخروج عن النص وكان خروجه لا يقتصر على خشبات المسارح، بل في ندواته ولقاءاته العامة، إذ تمّ إخراجه مثلاً من إحدى قاعات جامعة أسيوط عندما اشتبك مع طلابها في ندوة عام 2006.


تعثر مشروع صالح السياسي وتراجعت نجوميته. كان آخر ظهور له في فيلم  "ننوس عينه" وقد قال للمقربين منه أنه ذهب للتصوير رأساً دون أن يقرأ سيناريو الفيلم.


حاول صالح أن يعود بعد تجربة السجن الثانية ويقدم جزءاً ثانياً من مسرحية "العيال كبرت" تحت عنوان "العيال كبرت قوي" على مسرح إسماعيل يس، وأقنع أحمد زكي في أن يظهر في تسجيل صوتي وجمع حسن مصطفى ويونس شلبي وبدأت البروفات، لكن سرعان ما ظهرت الخلافات وتوالت الإنسحابات من العرض حتى أظلمت أنواره بعد ثلاثة أيام... ليظهر صالح بعدها على فترات متباعدة في أدوار هامشية لا تتناسب مع نجم بحجمه في أفلام مثل "الواد بليه" و"جواز بقرار جمهوري" وفي دور صغير لا يتجاوز المشهد في فيلم عادل إمام "أمير الظلام".


لاحقاً عاد سعيد بمسرحيات مثل "سداح مداح" مع أحد رفاق الدرب بونس شلبي، لكنه ظهر باهتاً على المسرح، يهاجم الجمهور الذي تجاسر بعضه وغادر القاعة أثناء العرض. ثم توقف سعيد فترة ليظهر في مسلسلات عادية المستوى مثل "أوان الورد" و"المصراوية" وعاد بمسرحية "الليبرو" على مسرح شط إسكندرية الذي شهد واحدة من  أبرز محطات مجده "مدرسة المشاغبين"، لكن هذه المسرحية كانت خطوة على طريق الأفول إذ انتهى العرض في قسم الشرطة حيث قام الممثلون وعلى رأسهم سعيد صالح بتحرير محضر للمنتج الذي امتنع عن دفع الأجور.


كادت مسرحية "الليبرو" أن تكون آخر ظهور لصالح على خشبات الإسكندرية. ولكن مثل طائر الفينيق الذي يبعث من رماده، تعاقد مسرح الدولة معه لتقديم مسرحية "قاعدين ليه؟" عن نص للكاتب محمد الماغوط. جملة "قاعدين ليه؟" كانت موجهة للحكام العرب، مما حدا صالح على أن  يصرح أن حركة كفاية الرافضة لمبارك خرجت من عنوان مسرحيته هذه. استعاد صالح وقتها بعضاً من عافيته وتجرع إكسير النجاح على مسرح السلام بوسط المدينة بنص متماسك وإخراج جيد. عاد للتلحين مرة أخرى وقدم موسمين متتاليين ناجحين، خرج فيهما على النص وشاغب وشاكس الجمهور كعادته. لكن صدر المسؤولين في المسرح القومي  ضاقت بعد هذين الموسمين فأطفأوا أنوار المسرح مرة أخرى على سعيد ليعود ويقدم أدواراً تلفزيونية عادية جداً.

المشهد الأخير لسعيد حزين جداً، مشهد مرسي إبن المعلم الزناتي و قد "اتهزم" فعلياً، هزمه المرض والجحود والعمر. وكان ظهر في أحد البرامج مع زوجته وقد احترق جزء من منزله وأصيب بالزهايمر. هذا الظهور أثار حفيظة الكثيرين الذين رأوا من المذيع وائل الإبراشي استغلالاً للحالة السيئة التي وصل إليها صالح.

أغلق الستار على حياة مؤلمة لأحد المشاغبين المرموقين، ومن المؤسف أن الكثير من تراثه المسرحي لم يوثق تلفزيونياً.

برغم كل شيء، سيتذكر الناس سعيد بدوري مرسي الزناتي وسلطان السكري، وقد يتذكرونه أحياناً بدور بركات في فيلم "سلام يا صاحبي" مع عادل إمام،  وستعيد من دون شك كل القنوات عرض إنتاجه مرات ومرات، فيضحك الجمهور في كل مرة وكأنها المرة الأولى. إنتاج يشهد على حياة عاشها سعيد صالح بالطول والعرض، حارب فيها طواحين الهواء وشاكس الجميع،  حتى "دبان وجهه"، كما يقول التعبير المصري.

التعليقات

المقال التالي