البندقية في الفن الفلسطيني

البندقية في الفن الفلسطيني

في حادثة للجيش الأحمر الياباني، تحديداً في عملية مطار اللدّ عام 1973، ذكرت العديد من الصحف تفاصيل مختلفة. بعض المقالات التي تناولت هذا الموضوع تحكي عن ثلاثة موسيقيين من الجيش الأحمر الياباني، بقيادة كوزو أوكاموتو Okamoto، دخلوا مطار اللدّ أو ما يسمى بمطار "بنغوريون"، وعند وصولهم قاموا بإخراج آلاتهم الموسيقية والعزف عليها. عندما احتشد الناس حولهم قاموا باستبدالها بأسلحة كانت بحوزتهم، فكان ما يعرف اليوم بعملية مطار اللدّ. الملفت للنظر في هذه الرواية هو الأشكال التي تظهر فيها الموسيقى- السلاح كعنصر مفصلي لخلق وضع أو حدث يلغي ما سبقه.

اعلان


ارتبطت بعض أعمال الفن البصري والسمعي، في السياق الفلسطيني مؤخراً بهذا العنصر (استخدام الموسيقى أو الفنون البصرية وارتباطها بالسلاح لخلق حدث مفصلي)، معظمها حمل مضامين المقاومة السلمية. اعتمدت تلك المضامين على تجريد السلاح من فعله الأصلي لتوظيفه في فعل آخر يناقض الوظيفة الأساسية، أو باستخدام الوظيفة نفسها بعد استبدال العنصر (السلاح) بآخر لا يعمل بهذه الوظيفة.

إن تبدل شكل استخدام السلاح في الفن الفلسطيني المعاصر لا ينفصل عن الواقع الفلسطيني، حيث أن الخطاب السائد يستمر بالبحث عن وسائل أخرى يمكن أن يقاوم بها، خارج إطارَي الحجر - البندقية. من خلال هذا الواقع يستمد الفن البصري مادته، متقدماً على الخطاب الآخر (العنفي، أو المرتكز على النضال المسلح)، إذ لم يعد ظاهراً مثلما كان في العقود الأربعة التي سبقت منتصف التسعينات على سبيل المثال. إنطلاقاً من هذا التبدل، ما الوظائف الجديدة التي أخذها السلاح في بعض الأعمال الفنية المعاصرة.

يمكن التماس هذا التميز في وظيفة السلاح في عملٍ لبانكسي Banksy، فنان غرافيتي بريطاني يخفي سيرته الذاتية وهويته الأصلية، وله العديد من الأعمال في كثير من شوارع العالم، ومن ضمنها العالم العربي، على جدران شوارع قلنديا وبيت لحم تحديداً.

امتازت أعمال بانكسي بتمردها على أي نوع من أنواع السلطة، ومنها تلك المعروفة في فلسطين، حيث حاكى بالرسم على أحد جدران مدينة بيت لحم صورة شاب ملثم يقوم برمي ضمّة من الزهور. تظهر وضعية الشاب الملثم الهيئة النمطية لشخص في وسط مواجهات، بتناقض كبير مع الفعل الذي يقوم به. يرمز تقديم الزهور عادةً إلى المحبة، ما لا يتناسب مع وضعية الشاب وحركته.

175

في عمل آخر لبانكسي، يظهر جندي يصوب سلاحه لإطلاق النار. إلا أن السلاح يوحي بأنه كاميرا فيديو والشخص الذي خلفه شرطي يحاول منعه من تشغيل الآلة. يطرح هذا العمل سؤالاً عن مدى أخلاقية آلة التصوير وخطورة ما يمكن أن تقوم به. في هذه الحالة يستخدم بانكسي الكاميرا كشكل جديد للسلاح.

ليلى شوى فنانة فلسطينية ولدت في غزة ثم تنقلت في عدة محطات إلى أن استقرت في لندن. تغلب على أعمالها تقنية الطباعة الحريرية والصور الفوتوغرافية المحسنة إلكترونياً. من أكثرها انتشاراً سلسلة مطبوعات "جدران من غزة". يندرج هذا العمل ضمن مشروع يضم 23 عملاً لفنانين قدموا تصاميم جديدة للبندقية بحيث تحمل مضامين مؤيدة للسلام. زينت ليلى البندقية على شكل أكسسوار بمجوهرات وفراشات ملونة وباستخدام الكريستال. وضعت على طرفي العمل مساند تحمل البندقية، محوّلةً الآلة إلى تحفة ثمينة مادياً. بوضعها للمساند ألغت ليلى شوى أي وظيفة عملية للبندقية، إذ باتت وظيفتها تقتصر على الزينة، إضافة لقيمتها المادية.

176

ندا سنقرط فنان فلسطيني يعيش ويعمل في نيويورك. تأخذ البندقية عنده شكل الأعمال التركيبية والأفلام. في صورة فوتوغرافية له يظهر شاباً مبتور الساق يستند على عكازة. قاعدة هذه العكازة تم استبدالها بمقدمة البندقية. هكذا فكك ندا البندقية وأعاد تركيبها لتأخذ شكلاً جديداً ووظيفة أخرى. في مضمون العمل شكل دائري يتمثل بدورَين من الممكن أن تأخذهما البندقية، كونها المسببة بالحدث من جهة والمساندة بعد حدوثه من جهة أخرى. يطرح العمل سؤالين حول الوظيفة التي تؤديها البندقية، إذ تتوظف بقيمة إنسانية سلمية وقيمة منافية للإنسانية في وقت واحد.

177

نشر هذا المقال على الموقع في تاريخ 27.01.2014

التعليقات

المقال التالي