الحكواتي لم يعد عربياً

الحكواتي لم يعد عربياً

ثمة الكثير من الدراسات والأبحاث التي نعت ظاهرة الحكواتي الشعبية في العالم العربي، بعد طوفان وسائل الميديا والاتصال. لم يعد الحكواتي حاضراً في المقاهي خلال الأمسيات الرمضانية، ولم يعد الجمهور يسمع عن بطولات عنترة بن شداد وفروسية الزير سالم والظاهر بيبرس، كما تقلص حضور الحكواتي كثيراً في الفنون والأجناس الأدبية المختلفة.

في المقابل ثمة موجة من الروائيين الأجانب أو من أصل عربي، يستندون إلى الحكواتي وفن الحكاية الشعبية التي تعتبر "ألف ليلة وليلة" من أبرز تجلياتها، في كتابة أعمالهم الإبداعية. يعيدون اكتشاف قيمة القص الشفهي وكأنهم يعثرون على الكنز المفقود، ويحضر الحكواتي في أعمالهم كذريعة للراوي وللسرد التقليدي الشهرزادي الذي يجذب القارئ.

اعلان


بائع الحكايات

ثمة عدد لا بأس به من الروائيين - الحكواتيين في الغرب، تتميز بعض كتاباتهم في استنادها إلى بعض العناصر والرموز الثقافية المعروفة. ستانيسواف ستراسبورغر Stanislaw Strasburger مثلاً، أديب من بولندا زار بيروت عام 2009 وشارك في أمسية موسيقية مع الفنان شربل روحانا، وقرأ مقاطع من روايته "بائع الحكايات" التي ترجمت قبل أيام إلى العربية وصدرت عن "دار الآداب" البيروتية. اختار ستراسبورغر في حكاياته قصة "يان"، فيزيائي شاب يسافر إلى المشرق العربي مع شركة تبحث عن الغاز، فيسحر بالناس والثقافة، ويقرر البقاء هناك، ويبدأ بالغوص في هذا العالم الغريب. يصبح "يان" بطل القصة "حكواتياً" فيحوك قصة حب خصبة الخيال ويدون ذكريات رحلته، ويتحول أحياناً إلى صحافي معاصر.

شخصيات رواية ستراسبورغر مستعارة من أصول أدبية مشرقية، من أشعار المعري وعنترة بن شداد ونزار قباني وابن قيم الجوزية وابن حزم الأندلسي وأبو نواس والوليد بن يزيد وبديع الزمان الهمزاني وآخرين.

تحكي الرواية حكايات عن أجزاء البازار، سوق الأطعمة والأقمشة والأدوات المنزلية والزينة، وفي أماكن أخرى حيث توجد العطورات والألبسة والحرفيات الدينية والخردوات والحمامات وأماكن العبادة. الأرجح أن الروائي البولندي يستعمل الحكواتي وسيلة للسرد وللفت إنتباه القارئ.

الحكواتي في الروايات - بائع الحكايات

الحكواتي لم يقتل

ستراسبورغر البولندي مسحور بالشرق وحكاياته كأنه ابن هذه البلاد، أما الروائي ربيع علم الدين فهو أميركي من أصل لبناني، ابن بيئة الحداثة الذي يقول إن جيله "قتل الحكواتي"، لكنه مع ذلك أدهش الغرب في كتاباته بروحه الشرقية. اختار أن يكتب رواية عنوانها "الحكواتي" يعود من خلالها إلى الشرق لينقل منها الحكايات الغابرة ويقدمها إلى القارئ الغربي. يطرق باب الأساطير الشعبية الشرقية، وقصص العهد القديم والآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، كما المتنبي وابن المقفع. يحاكي عالم ألف ليلة وليلة وكل ما يمكن له أن يقارب القارئ.

تبدأ رواية علم الدين مع ملك لديه 12 بنتاً من زوجته التي لا يقدر على فراقها، ولا الزواج بغيرها، حتى وإن كان ذلك يتيح له التنعم بولد ذكر يرث عرشه. هنا، تظهر جاريته التي تملك الحل من خلال ساحرة في الإسكندرية، تقول إنها تحقق المستحيل. تأخذ الجارية خصلة من شعر زوجة الملك وتتجه نحو تلك الساحرة. ينتقل السرد إلى أسامة الذي يكون عائداً من لوس أنجلوس إلى بيروت لتمضية عيد الأضحى مع عائلته، فإذا بوالده في المستشفى وحول سريره تحاك القصص والأساطير والنكات والدموع، كما تتوالى أحداث الحياة العادية كالأعراس والمآتم ومشاكل بيع السيارات والحروب... تعود الرواية إلى جارية الملك التي تنجو من قطاع الطرق، فيقع جواد - الفتى الوحيد الباقي من قطاع الطرق - بحبال حبها. تمنحه الجارية ثماني فرص لإغوائها، فيستنفدها حتى ينجح في آخر محاولة، مستعيناً بقصص غرائبية، وقصائد لأبي نواس والمتنبي. تحتوي "الحكواتي" على خلطة عجيبة من الأزمنة والأمكنة، ولا تسلم نفسها إلا لتدافع الحكايا وتتابعها. إنها فانتازيا تترنح بين الواقع والخيال.

رواة طنجة

ربيع علم الدين الذي لمع في أميركا والعالم ليس وحده من استوحى لغة الحكواتي في الرواية. الروائي الأميركي بول بولز صاحب رواية "السماء الواقية" (دار ورد) الذي أقام في مدينة طنجة المغربية، استطاع أن يستلهم شخصياته الحكائية في تلك المدينة. يتجلى ذلك من خلال علاقته "برواة طنجة" وهم أحمد اليعقوبي (فنان تشكيلي)، العربي العياشي (وهو اسم مستعار لإدريس بن حامد الشرادي)، محمد المرابط (اسمه الحقيقي محمد الحجام)، ثم عبد السلام بولعيش (فنان تشكيلي، سائق تاكسي وعازف على آلة العود). هؤلاء كانوا منبع الحكايات التي يحبها الغرب، وعرف بولز كيف يوظفها أو يقرصنها، قبل أن يتحول بعض الحكواتيين الى كتاب.

الحكواتي في الروايات - حكواتي الليل - السماء الواقية

حكواتي الليل

في ألمانيا، هناك مجموعة من الحكواتيين من أصول عربية، من بينهم الكاتب المشهور رفيق شامي، والكاتب اللبناني الأصل يوسف نعوم بحكاويه عن المقاهي التي نشرها بعنوان "روائع من بغداد إلى برلين”، وكذلك القاص والروائي الفلسطيني الأصل سليم الأفنيش. لم يترجم نعوم والأفنيش إلى العربية، بعكس الشامي الذي ترجمت له أكثر من رواية، لا سيما روايته "حكواتي الليل" (منشورات الجمل) التي رفضتها معظم دور النشر الألمانية وسرعان ما نشرت ونالت العديد من الجوائز. في هذه الرواية يسعى المؤلف إلى مقاربة الكتابة الراهنة من خلال تقنيات السرد الحكائي العربي القديم. بدت الرواية نفسها تائهة بين التماهي بمناخ "ألف ليلة وليلة" والانخراط في أروقة الذاكرة الشفهية لدمشق العتيقة.

كتب الشامي روايته لتسلط الضوء على طبيعة المجتمع الدمشقي في مرحلة "الجمهورية العربية المتحدة" أو الوحدة بين مصر وسوريا في زمن الطوفان الناصري. تبدأ أحداث الرواية عام 1959 حين يصاب الحكواتي سليم العربجي بالخرس! سليم الذي "كان بوسعه سرد قصص تبكي وتضحك مستمعيه حتى لو كانوا رجالاً بقلوب من صخر، قد أصبح فجأة رجلاً أخرس"، وصار محل حيرة أصدقائه السبعة، العجزة أيضاً، الذين اعتادوا سماع قصصه المثيرة والغريبة كل ليلة.

تصوّر رواية شامي مدينة دمشق وهي تنتج الأسطورة كما تنتج المقبِّلات "الأساطير والبقلاوة المحشوة بالجوز والفستق ليست سوى منتجات عادية لهذه المدينة". يعتبر شتيفان فايدنر Stefan Weidner رئيس تحرير مجلة "فكر وفن" الألمانية "إن أحد أسباب شغف القراء بشامي، أن أسلوبه في الكتابة يكاد أن يكون سرداً شفوياً. إن مؤلفاته تذكر القارئ بحكواتي المقاهي العامة". يضيف فايدنر "يكاد شامي أن يكون فناناً مسرحياً يؤدي العرض أو الحوار بنحو فردي ومن غير تصميم أو تدوين سابقين. وغني عن البيان أن هذا الأسلوب ينطوي إلى حد بعيد على ظاهرة جديدة بالنسبة للقراء الألمان وعلى ظاهرة جديدة في الأدب الألماني أيضاً".

يعتبر بعض النقاد أن البلدان الغربية وبسبب التشيؤ وعزلة الفرد فيها، عادت إلى الحكواتية في رغبة لاستعادة التماس الإنساني الحار الذي لا يعوضه استعمال وسائل الميديا الحديثة. على أن آخرين يؤكدون أن سحر الحكايات في النفس يجعل عودة الحكواتية حاجة ملحة للمجتمعات.

نشر هذا المقال على الموقع في تاريخ 30.12.2013

التعليقات

المقال التالي