"الفن الثمين هو الفن المهم"

"الفن الثمين هو الفن المهم"

الساحة الفنية في العالم تواجه تغييرات جذرية تعكس حياتنا اليوم، فالفن ليس إلا وسيلة تعبير للفنان كما للمجتمع الذي يحتضنه. بالتالي، كلما كان المجتمع خلّاقاً ومنتجاً كلما أنتج واحتضن فنوناً توثق المرحلة.

سوق الفن العالمي اليوم

لا بد أن ننظر للسوق العالمي لنفهم الفن في الساحة العربية، فالعرب جزء من السوق إنتاجياً واستهلاكياً. مع ظهور ثروات طائلة في جميع أنحاء العالم، برز فنانون كثر في السنوات العشر الأخيرة يعكسون ذوق هؤلاء الأثرياء ولونهم، من اليابان شرقاً إلى الولايات المتحدة غرباً مروراً بدبي ولندن. لم يعد بيكاسو ورينوار ومونيه ملوك الساحة الفنية، فقد انتج الطلب ملوكاً جدداً ينحتون ويرسمون ويصنّعون (صناعة في غرف انتاج) أعمالاً يتهافت عليها المقتنون والمتاحف وتجار الأعمال الفنية.

من أكبر هذه الأسماء اليوم الأميركي جيف كونز Jeff Koons، فنان خمسيني بدأ مسيرته منذ أكثر من ثلاثين عاماً، وهو ينتج لوحات وتماثيل وألعاباً وحتى جواهر يتنافس عليها أهمّ المقتنين. ابتدأ يبيع أعماله بآلاف قليلة من الدولارات إلى أن وصلت قيمة أعماله إلى 58 مليون دولار للعمل الواحد، وهي ممثلة في أهم المجموعات العالمية. له معرض افتتح الأسبوع الماضي في متحف ويتني Whitney Museum في مدينة نيويورك تحت عنوان “الفن الثمين هو الفن المهم”. يركّز المعرض على علاقة الفن بالاستهلاك، بهدف ربط سعر القطعة بقيمتها الفنية. تسمية هذا المعرض ليست إلّا جزءاً من العرض، وترمز إلى وضع سوق الفن الذي وصلت قيمته إلى 66 مليار دولار العام الماضي.

سوق الفن العالمي - مايكل جاكسون والسعدان بابلز

فنان آخر لافت وحاضر في كل مجموعة مهمة، وفي كل متحف حديث، هو الهندي العراقي انيش كابور Anish Kapoor. يعتمد على أسلوب تقليصي مريح للنظر في منحوتاته الرخامية وأعماله المعدنية العاكسة كالمرآة التي تسحبك في دوامة إلى داخلها. يجسّد كابور الحركة الفنية الجديدة الاختبارية، فكل عمل له ينقل الغرفة الموجود فيها إلى القرن الحادي والعشرين بحداثته ودقّة نحته.

سوق الفن العالمي - أنيش كابور

الفنان الأكثر نجاحاً تجارياً يبقى داميان هيرست Damien Hirst، البريطاني الذي ابتدع فكرة إنتاج مئات اللوحات المصنّعة في ستوديو يعمل فيه “موظفون” تحت إشرافه يرمون كميات من الألوان عشوائياً على لوحات مستديرة أو مثلثة، تباع بما يقارب 300,000 دولار، في حين يصل بعض أعماله إلى 100 مليون دولار، مثل الجمجمة المرصعة بالألماس. لهيرست أعمال من ثقوب السجائر ومن الحيوانات المحفوظة في سائل الفورمالديهايد Formaldehyde، المادة التي تحفظ الحيوان لعقود عدّة. كان لهيرست أخيراً معرض خاص في ملحق لمتحف الدوحة الإسلامي، قد يعدّ أهم معرض أقيم له، إذ عرضت فيه أعمال تعكس مسيرته منذ نشأته حتى اليوم، ولاقى نجاحاً كبيراً. في عام 2008، باع داميان هيرست في مزاد واحد في لندن أعمالاً له بقيمة 200 مليون دولار!

سوق الفن العالمي - جمجمة مرصغة بالالماس

الفنانون الثلاثة هؤلاء هم رواد حركة تشمل أكثر من خمسين فناناً عالمياً يمثلون ما يسمى الفن المعاصر، وهم تصدّروا الأسواق على حساب الفن الحديث (الفن المنتج حتى عام 1970) والفن التشكيلي (الفن المنتج بين 1870-1900) اللذين يجلسان اليوم على الكرسي الخلفي، ويعرف الذين يقتنونهما “بالديناصورات”.

الفن المعاصر في البلاد العربية

البلاد العربية تشهد اليوم الاتجاه نفسه، إن كان من ناحية الإنتاج أم الاستهلاك، فأعمال “الكبار” مثل الجزّار في مصر وكيّالي في سوريا وفخرالنسا زيد في الأردن تشهد برودة، إن لم يكن تراجعاً في إقبال المقتنين عليها. السوق العربي اليوم يتطلب الأعمال المعاصرة، لاسيما مثل أعمال السعوديين أحمد ماطر وعبد الناصر غارم، واللبناني أسامة بعلبكي، والمصرية غادة عامر واللبنانية منى حاتوم.

أسعار أعمال هؤلاء الفنانين تعكس الطلب، وقد وصلت أخيراً  إلى 900000 دولار لأعمال جديدة. يعتبر السعر في السوق العربي بحد ذاته جزءاً من أهمية العمل، تماماً كما في الأسواق العالمية. تُحارب هذه الظاهرة طبعاً من الصحافة ونقّاد الفن التقليديين، لكن للقيمة التجارية الكلمة الأخيرة هنا، فطلب السوق أكبر من النقّاد والمعلّقين. تكمن أهمية أعمال هؤلاء الفنانين في مواضيعها “البالغة”،  فكلّ منهم يشكّل ظاهرة مستقلة يعبّر فيها عن حياتنا اليومية بطريقة مبتكرة وذات أهمية لكل من تدور حياته في الفلك العربي أو الإسلامي. أعمال ماطر وغارم، تحظى بأهمية بالغة لكونهما سعوديين، فالسعودية من أكبر وأغنى الدول، وفيها ما يكفي من سوق لتحتضن فنانين كثراً. أعمالهما تدور بشكل مباشر وغير مباشر حول الحياة اليومية، والتمييز العنصري والجنسي، ومراسم الحج، وحرّية التعبير، وهي مواضيع تحلو للسوق العربية، لكونها مكبّلة إجتماعياً وتاريخياً.

الفن المعاصر في البلاد العربية - عبد الناصر غارم

أيمن بعلبكي ينقلنا  إلى فن أقرب للفن الغربي إن كان بريشته وألوانه، لكن مواضيعه ترمز إلى الواقع اللبناني وإلى المقاومة الفلسطينية، برومانسية Kitsch تعكسها الألوان المستعملة. أعمال أيمن بعلبكي توحي بالتهديد، كما يقول الناقد هولاند كوتر Holland Cotter في النيويورك تايمز، وهذا الإيحاء لا يمكن لأحد أن يرسمه أفضل من اللبنانيين.

الفن المعاصر في البلاد العربية - المُلثم

أما وائل شوقي، الشاب المصري، فقد لمع في العواصم الغربية لا سيما في فن الفيديو. كان أحد الفائزين في العام  2012 بجائزة مسابقة أبراج كابيتال، وهو يقدّم الجديد في أعماله، مثل عمله “العرابة المدفونة”، التي تظهر أطفالاً يرتدون ملابس رجال الريف المصري، يتكلمون بالفصحى محاولين إيجاد حلول لمشاكل الحياة.

الفن المعاصر في البلاد العربية - العرابة المدفونة

غادة عامر ومنى حاتوم أخذتا الحركة النسائية إلى بعد آخر، فمن مدنهما العربية فتحتا أبواب عواصم الفن العالمي. نجحت عامر بتركيزهما على الإثارة وجسد المرأة، في حين أن من بين أكثر أعمال حاتوم شهرة، مبرشة جبنة بمقاس كبير تستعمل كفاصل في الغرف، ترمز الى سجن المرأة واستعبادها والأذى الذي قد يُلحقه الإنسان باستخدام أدوات عادية جدأ.

الفن المعاصر في البلاد العربية - أداة مطبخية للبرش

من يقود هذه الحركة الفنية العربية؟ في العالم العربي، المقتنون الجدد وهم رجال أعمال ناجحون وواثقون من أنفسهم، يشترون ما يحلو لهم متحررين من القيود التاريخية والتقليدية، مبتعدين من الوجوه والمناظر الجميلة لمصلحة فن يعبّر عن السياسة والتحديات التي يواجهها المجتمع العربي. سوق الفن العربي كبير أيضاَ في الساحة العالمية، لاسيما في الولايات المتحدة وإيران حيث تلقى هذه الأعمال إقبالا مهماً. قد يكون العرض المقبل في متحف نيو ميوزيم New Museum في مدينة نيويورك أهم معرض يقام حتى الآن للأعمال العربية المعاصرة. لا نعرف حتى الآن الأعمال التي ستكون معروضة، لكن لا مفرّ من أن تعرض أعمال لأيمن بعلبكي ولمروان قصّاب باشي ولعبدالناصر غارم، فهم روّاد الفن العربي المعاصر. غرض المعرض ليس التباهي بالمقتنى ولا بترويج أو بيع الأعمال، بل الغرض هو عرض فني بامتياز، يفصل بين القاصرين والراشدين. منشور الدعوة لافتتاح المعرض يحمل رسماً لفنانة لبنانية غير مكتشفة بعد اسمها مروا ارسنيوس، قد تكون النجمة الصاعدة العربية اليوم.

كريم سقّا

ناشر ورئيس تحرير رصيف22

التعليقات

المقال التالي