زمن الضحك الذي ولى

زمن الضحك الذي ولى

انطفأت أنوار معظم المسارح في مصر اليوم. قبل ذلك بأعوام، كانت قاعات المسارح تمتلئ بالضحك ويعلوها التصفيق، وكان فرسان الكوميديا يعتلون الخشبات يصولون ويجولون. عاش المسرح في مصر زمنه الذهبي منذ نشأة المسرح الكوميدي على يد رواد مثل نجيب الريحاني وعلي الكسار في بدايات القرن الماضي. اشتهر الريحاني بشخصية “كشكش بك” والكسار بلقب “بربري مصر الوحيد” (البربري هو الشخص أسمر اللون). في البداية قدم هؤلاء روايات مستقاة إما من المسرح الفرنسي ذي الطابع المولييري، أو من المسرح الإيطالي (كوميديا ديلارتي)، ثم تحولت الوجهة لاحقاً إلى روايات مصرية خالصة.

على هذا النحو، ظل المسرح المصري الخاص سيد الساحة إلى أن قامت ثورة يوليو 52، وأمّمت المسرح. دفع ذلك فرقاً مسرحية كثيرة إلى العمل تحت جناح الدولة. حينها ضمّ اسماعيل يس فرقته إلى مسرح التلفزيون وظهر من بعده جيل العملاقين فؤاد المهندس وعبد المنعم مدبولي، ومعهما محمد عوض وأمين الهنيدي وآخرون. تلا هذا الجيل جيل عادل إمام، ومعه كلّ من سمير غانم وسعيد صالح ومحمد نجم وسيد زيان. تسيّد هذا الجيل الساحة طويلاً، وكانت مشاهدة إحدى مسرحيات رواده على رأس جدول اهتمامات السائح العربي في فترة السبعينات والثمانينات والتسعينات. تحولت مدينة الإسكندرية الساحلية حينها ملعباً يتبارى فيه هؤلاء اللاعبون، من جيل إسماعيل يس حتى جيل محمد هنيدي وعلاء ولي الدين.

غير أن من يقصد الإسكندرية اليوم باحثاً عن مسرح، لن يجد إلا محاولات نادرة على استحياء وخرائب مسارح قديمة شاهدة على بقايا مجد غابر. هذه الحالة المتردية التي شهدها المسرح يرجعها البعض لعدة أسباب، منها ارتفاع أسعار تذاكره وسحب السينما للبساط من تحت قدميه؛ فهي تقدم نفس جرعة الضحك والمواقف الكوميدية بربع ثمن تذكرة المسرح الخاص. هذه الآفة التي ألمت بالمسرح الكوميدي المصري الخاص قضت على ثقافة كانت سائدة في زمن ما، وهي تتشابه مع حالة نجوم أقعدهم المرض أو غيبهم الموت.

سيد زيان يرقد اليوم بالمستشفى في حالة خطرة. جورج سيدهم ألجم المرض لسانه ومحا ذاكرته، والمنتصر بالله مصاب بمرض يشبه الشلل، أما الراحلان فؤاد خليل وفاروق نجيب فقد توفيا بعد صراع طويل مع المرض وتجاهل من الزملاء. سعيد صالح- أحد رؤوس حربة الكوميديا في عز مجدها- احترق منزله وأصيب بما يشبه الزهايمر. إنها حالة تتعارض تماماً مع ما كان يفجره كلّ هؤلاء من ضحكات في صالات المسرح المصري. حتى عادل إمام، الذي يحمل لقب الزعيم، قد هجر المسرح والسينما أيضاً ليتفرغ للمسلسلات التي يكتبها له مؤلفه الأثير يوسف معاطي مفصلة على مقاسه.

لو أراد أحدنا السير على كورنيش الإسكندرية بحثاً عن ذكرى مسرح قديم، لن يجد إلا مسارح مغلقة وأشباح ممثلين وممثلات ملأوا الدنيا ضحكاً.

 

مسرح شط إسكندرية

أو "مسرح كوته" كما يسميه البعض. كان شاهداً على روايات مسرحية عالقة حتى يومنا هذا بذاكرة المشاهد المصري والعربي، مثل مسرحية مدرسة المشاغبين التي كانت تحل ضيفة على هذا المسرح في الصيف، ومسرحية ريا وسكينة. شهد المسرح واقعة غريبة من نوعها عندما قامت الشرطة بإغلاق مسرحية "حلو الكلام" لسعيد صالح، وأنزلته من على خشبة المسرح بدعوى "خروجه عن النص وعن الآداب العامة". اليوم تحول هذا المسرح إلى خرابة ترتع فيها الحيوانات، وتأوي ليلاً بعض المشردين.

مسرح السلام

هذا المسرح المكشوف المصمم على شكل قوس، تآكلت الآن واجهته بفعل الرطوبة، ونُزعت أغلب كراسيه وهجره المتفرجون. كانت أنواره مضاءة بعروض حققت نجاحات ساحقة، مثل الواد سيد الشغال والزعيم لعادل إمام، وكان سطح المسرح المكشوف يحمل ضحك وتصفيق الحضور حتى الشارع، ويبلغ مسامع القاطنين حول المسرح الذين كانوا يشاهدون معظم العروض مجاناً، يحملها لهم هواء الإسكندرية المنعش عبر أصوات الممثلين وموسيقى العرض.

سينما ومسرح عبد المنعم جابر

في عمارة سكنية حديثة الطابع بنيت على أنقاض مسرح قديم، يلمح المارة لافتة كُتب عليها "سينما ومسرح عبد المنعم جابر". عبد المنعم جابر تاجر إسكندراني يطلق عليه البعض "ثري عصر الانفتاح"، وهو مصطلح يشير إلى من حققوا ثراء في سنوات الانفتاح الاقتصادي أيام الرئيس أنور السادات. كان هذا المسرح ملكاً للفنان إسماعيل يس وفرقته، وآل إلى أناس كثيرين بعد وفاة صاحبه، لكنه ظل يحمل اسمه إلى أن تم هدمه وبني مكانه مبنى سكني تحته مسرح كان اسمه مسرح عبد المنعم جابر. رغم صغر مساحته، إلا أنه من المسارح القليلة التي شهدت عروضاً مسرحية استمرت شهراً كاملاً. حالياً يشهد عرض مسرحية "حسنين يعيش مرتين"، وهي مسرحية صارعت طويلاً حتى خرجت إلى النور، من بطولة الفنان المسرحي محمد نجم.

 download (2)

هناك مسارح كثيرة أخرى هدمت، وما بقي منها سوى أنقاضها أو حلت محلها مبانٍ أخرى، مثل مسرح العبد ومسرح متروبوليتان. لم يحفظ شخوص هذه الروايات إلا تسجيلات وأرشيفاً مسرحياً ضخماً متاحاً على اليوتيوب، الأمر الذي أبقى على ذاكرة العديد من تلك العروض التي أحيت ليالي الصيف في الإسكندرية. لكن هذه التسجيلات ليست كافية؛ فتراث إسماعيل يس المسرحي الذي كان يملكه التلفزيون المصري قد تم محوه بالكامل وانتهى نهاية مأساوية.

 

هذا النوع من المسرح ربما لم يكن يلقى حفاوة نقدية، وكان النقاد يصفونه بأنه مجرد سهرات مع الضحك أو فودفيل خفيف الحبكة، لكنه حمل معه قدراً من البهجة التي تحتضر اليوم، وتنطفئ مع غياب كل هؤلاء النجوم وغياب التفاعل الحي مع الجمهور، والاكتفاء بضحكات في قاعات سينمائية باردة مع تجاهل تام لـ"أبو الفنون".

 

نشر هذا المقال على الموقع في تاريخ 02.04.2014

التعليقات

المقال التالي