أثر الثورة على الإبداع في سوريا

أثر الثورة على الإبداع في سوريا

تسلّم "عروة مقداد"، قبل أيام، جائزة "سمير قصير لحرية الصحافة" لأفضل تقرير "سمعي بصري"، عن تقريره "موسيقى سورية"، الذي يظهر مجموعة من المغنّيين والموسيقيين السوريين المقيمين في بيروت، ويبرز أثر الصراع في سوريا على الفنون، وكيف يمكن للفن أن يكون مؤثراً في المشهد العام.

إذا كانت جائزة عروة آخر عنقود الجوائز السورية، فإنها ليست الأولى بعد ثورة الحرية. سبقه كثر إلى ذلك، فما الذي فعلته الثورة؟

أمران أساسيان قد يكونان من أهم المعالم التي ميّزت الثورة السورية منذ مطلعها في آذار 2011. الأول، أنها فجّرت قدرة الإنسان السوري على الإبداع والاختلاف بعد أن غُيّب صوته لأربعين عاماً. وقد ظهر ذلك بشكلٍ كبير في الآليات الإبداعية التي مارسَها السوري خلال الأعوام الثلاثة المنصرمة للتعبير عن نفسه وقول رأيه بوضوح.

الأمر الثاني هو أنها سلطت الضوء على هذا الإنسان في كل بقاع العالم، ذلك أنه مثلما كان ذو صوت مغيّب داخلياً، فقد كان مجهول الهويّة غالباً خارجياً، وفي أحسن الأحوال مؤطراً بصورة نمطية ضحلة شاءتها له السلطة السورية خلال عقود.

تجلّى هذان الأمران من خلال الجوائز التي مُنحت لسوريين في مجالات متعددة سواء كانوا داخل سوريا أو خارجها، ففي الشهر السادس من الثورة السورية، وتحديداً في 6 أكتوبر 2011 فازت المحامية والناشطة الحقوقية رزان زيتونة بجائزة "آنا بوليتكوفيسكايا" Anna Politkovskaïa من الجمعية البريطانية RAW in War لإرسالها عبر الإنترنت تقارير عن الفظائع المرتكبة ضد المدنيين في سوريا.

ثمّ عادت في السابع والعشرين من الشهر نفسه لتتقاسم مع أربعة آخرين جائزة عالمية أخرى هي جائزة "ساخاروف" Sakharov لحرية الفكر، بعد أن اختارها الاتحاد الأوروبي استناداً إلى نشاطها في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان.

والجدير ذكره أن واحداً من الأربعة الذين تقاسمت معهم زيتونة الجائزة، كان رسام الكاريكاتور السوري "علي فرزات" الذي اعتُبر ممن يجسّدون موقفاً إنسانياً من خلال رسومه اللاذعة والتي اعتُدي عليه على إثرها من قبل مجموعة من "شبيحة دمشق".

دخلت الثورة عامها الثاني، وعادت رزان زيتونة وافتتحت جوائز السوريين فيه بحصولهافي الأول من أكتوبر 2012 على جائزة "ابن رشد للفكر الحر"، وذلك لأنها كما رأى القيّمون على الجائزة "تمثل نموذجاً لجيل الشباب السوري الثائر الذي يخاطر بحريته الشخصية وأمنه وحياته في سبيل تحقيق التغيير والانتقال من دولة الاستبداد إلى دولة المواطنين المدنية الديمقراطية مهما كانت الأثمان".

بعد ذلك بأيامٍ، فازت الروائية والكاتبة السورية سمر يزبك بجائزة "بنتر Pinter الدولية للشجاعة الأدبية للكتاب" التي يمنحها "نادي القلم الدولي" سنويا لكاتب يتعرض للاضطهاد بسبب حديثه صراحة عن معتقداته. اعتبرت يزبك آنذاك أنّ الجائزة لم تُمنح لها بوصفها الفردي، بل مُنحت للثورة السورية من خلالها.

جاءَ شهر ديسمبر 2012 ومعه حصل الكاتب والمفكّر الدكتور ياسين الحاج صالح، على جائزة "الأمير كلاوس" Prince Claus في هولندا، التي تُمنح للمثقفين والمفكرين تكريماً لإنجازاتهم في مجالات الثقافة والتنمية في بلادهم. لم يكن تعقيب الحاج صالح حينذاك على منحه الجائزة مختلفاً عمّا قالته سمر يزبك، إذ اعتبر أن القائمين عليها قرروا منحها للثورة السورية.

في الشهر ذاته فاز الصحفي السوري المدافع عن حقوق الإنسان مازن درويش بجائزة "حرية الصحافة" التي تمنحها منظمة "مراسلون بلا حدود"، نظراً لدوره الفاعل ودفاعه المستمرّ عن حرية التعبير، الذي أودى به إلى السجن، إذ فاز بالجائزة وهو قيد الاعتقال من قبل السلطات السورية.

ثمّ عاد درويش وفاز بجائزة "برونو كرايسكي" Bruno Kreisky للمدافعين عن حقوق الإنسان عام 2013، وعلّل مسؤولو الجائزة التي تحمل اسم رئيس الوزراء النمساوي الأسبق اختيارهم لدرويش بقولهم إنه: "قام بحملة لإصلاح قانون الصحافة وتوعية المجتمع الدولي إلى الانتهاكات بحق المدونين والمواطنين الصحفيين، وعمل على توفير معلومات موثوقة وحيادية عن الانتهاكات بحق الاعلاميين في سوريا وحول العالم العربي، متحديّاً قمع السلطات السورية".

في يونيو 2013 فازت الصحفية الفلسطينية السورية ضحى حسن، بجائزة "سمير قصير لحرية الصحافة" في فئة الرأي، عن قصتها الصحفية "حين قالت لي معلمتي: حافظ الأسد كما الله، لا يموت". وهي جائزة تحمل اسم الكاتب والصحفي اللبناني سمير قصير الذي اغتيل في بيروت عام 2005، وتُمنح بتمويلٍ من الاتحاد الأوروبي، لأفضل مقال رأي ولأفضل تحقيق استقصائي، عالجا مواضيع مرتبطة بدولة القانون وحقوق الانسان.

بعدها بأشهرٍ خمسة، وفي نوفمبر تحديداً حازت الناشطة السورية هنادي زحلوط جائزة المدافعين عن حقوق الإنسان التي تقدمها وزارة الخارجية الأميركية، بالمناصفة مع مركز حمورابي العراقي. وقال نائب وزير الخارجية الأميركي بيل بيرنز Bill Burns أثناء تسليمه الجائزة لزحلوط، "إنّ اعتقالها لم يثنها عن إيمانها بمبدأ أن سوريا ملك لكل السوريين ويجب أن تكون ديمقراطية يعيش فيها المواطن بحرية وكرامة".

في العام الجاري ازدادت جوائز السوريين ثلاثاً، وكانت البداية في شهر يناير، عندما فازفيلم "العودة إلى حمص" والذي يتحدث عن انعكاسات الحرب في حمص ويصورُ حياة المقاتلينَ هناك، والذي أخرجه السوري طلال ديركي، بجائزة أفضل فيلم وثائقي أجنبي في الدورة الثلاثين لمهرجان "ساندانس" Sundance الأمريكي للسينما المستقلة.

وفي مارس من العام الحالي فازت المرأة السورية بجائزة منظمة "لا سلام بلا عدالة"، نظراً لشجاعتها في مواجهة النظام السوري، وتعرضها للعنف أثناء الحرب الدائرة، وتسلمت الجائزة نيابةً عن نساء سوريا الناشطة علا رمضان والسيدة سهير الأتاسي.

بعدها بشهرين فاز الفنان أمجد وردة بجائزة الأفلام القصيرة "صنع في المتوسط" التي أطلقها برنامج "الأوروميد السمعي- البصري الثالث" Euromed التابع للاتحاد الأوروبي والمخصص لفنانين سينمائيين من منطقة البحر الأبيض المتوسط، عن فيلمه "الحرب على لوحات شهيرة"، وتؤهل هذه الجائزة الفيلم للمشاركة في مهرجان كان السينمائي للأفلام القصيرة.

وإذا كان البعض يرى أنّ هذه الجوائز الممنوحة للسوريين لا تُعبّر بالضرورة عن استحقاقهم لها، إنما عن تعاطف المجتمع الدوليّ معهم، ويذهب بعضٌ آخر أبعد من ذلك  فيعتبر أنّ الدول الغربية تحاولُ التستّر على تخاذلها إزاء القضية السورية، بتقديم جوائز هنا وهناك تستر هذا العيب. فإنّ الحقيقة الدامغة علاوةً على كل هذا، أن السوري بات ذو معنىً أوسع بفضل ثورته، فلم يعد محصوراً بالأطر التي آل إليها وضعه خلال حكمِ عائلة الأسد للبلاد، وتعدّى هذه الأطر ليفتح طريقه في العالم من خلال ابداعاته في كلّ المجالات.

التعليقات

المقال التالي