"المسيح العراقيّ" أول عمل عربي يفوز بجائزة الاندبندنت

"المسيح العراقيّ" أول عمل عربي يفوز بجائزة الاندبندنت

في مقال نُشر في موقع "الحوار المتمدن" قبل ثمانية أعوام، ردّد الكاتب والصحافي العراقي يوسف أبو الفوز بثقة مفرطة: "أوصيكم بحفظ هذا الاسم وتذكّره جيداً "حسن بلاسم"، فيوماً ما سيدقّ بابَ ذاكرتكم بقوة، بأعمال باهرة، ستمنح السينما بريقاً خاصاً متفرداً".

 

لم يكن جزافاً ما ذكره أبو الفوز في مقاله المنشور عام 2006، اليوم وبعد ثماني سنوات ينتزع الكاتب والسينمائي العراقي حسن بلاسم جائزة "الاندبندنت للأدب الأجنبي"Independent Foreign Fiction Prize. جاء إعلان الجائزة، معلناً تتويج كتاب بلاسم "المسيح العراقي" ليضع اسمه، كأول عربي، ضمن قائمة الأدباء العالميين الحاصلين على هذه الجائزة منذ نسختها الأولى عام 1990.

 

العناوين المتنافسة في القائمة القصيرة للجائزة ضمّت، إلى جانب "المسيح العراقي"، عدداً من الكتب المترجمة إلى الإنكليزية: من الفرنسية "وجبة في فصل الشتاء" A Meal in Winter لهوبير مينغاريللي Hubert Mingarelli، ومن اليابانية "طقس غريب في طوكيو" Strange Weather in Tokyo  لـلكاتبة هيرومي كاواكامي Hiromi Kawakami، و"انتقام" Revenge للكاتبة يوكو أوغاوا Yoko Ogawa، ومن النرويجية رواية "رجل في حالة حب" A Man in Love لكارل أوفي كناوسغارد Karl Ove Knausgaard، بالإضافة لرواية للألمانية بريجيت فاندرييكي Birgit Vanderbeke. كما تجدر الإشارة إلى أن القائمة الطويلة للجائزة كانت قد ضمت عنواناً آخر مترجماً من العربية "وحدها شجرة الرمان" لكاتب عراقي آخر هو سنان أنطون.

 

يراهن الأديب، الفائز مؤخراً بالجائزة البريطانية الرفيعة، في عمله على جنس أدبي ينحسر يوماً بعد آخر في ثقافتنا العربية، متكئاً على التجريب شكلاً ومضموناً، ومستفيداً من عمله كسينمائي في مزج الصور، وتكثيف دلالاتها المحلية والإنسانية.

 

في مجموعة قصص "المسيح العراقي" يكون الواقع صادماً بما فيه الكفاية، بل وأكثر، لذلك لا يغرق الكاتب العراقي– الفنلندي الجنسية، في التقديم أو التأسيس لموت جماعي أو كارثة محتملة ضمن حكاياته. كما أنه لا يجهد نفسه في إضفاء أي نوع من البهرجة اللغوية أو السردية على قصصه، فمآلات الواقع الكارثي تجعل من الخيال، مهما كان قاسياً، ملجأً آمناً لأصحاب المخيلة المعنّفة. كذلك، تشي قصصه، دون مواربة، بقدرة قاص استثنائي على خلق إيقاع هادئ، تدعمه صور سينمائية متتابعة لحظة تلو الأخرى، إلى أن تأتي الفاجعة خلسة، وتنتهي من حصد ضحاياها دون أن يلحظها أحد.

 

على هذا النحو يسير أبطاله: شخصيات غروتيسكية (غرائبية تهكمية) مستسلمة لعذاباتها، تؤدي بحرفية قلّ نظيرها أحداثَ سيناريوهات تماهت معها، حيث لا دور لها فيها؛ إذ إنها أقرب ما تكون إلى خواتيم قدرية نسجتها الحرب، لتبلغ بذلك سعادتها القصوى عند إتقان الدور المكتوب لها، أو عند الموت!

 

يعمد صاحب "مجنون ساحة الحرية"، إلى صدم قارئه، أو ربما إنعاشه، مقدّماً له شحنات هائلة من الرعب، لا تختلف في فظاعتها كثيراً عمّا يسمعه الجميع يومياً في نشرات الأخبار. ففي قصة "المسيح العراقي"، المروية على لسان صديق مقتول "علي"، يرفض دانيال الملقب بـ"المسيح الجديد" مغادرة العراق بعد أن ترك الجيش عقب سقوط بغداد، فيبقى هناك ليرعى أمه التي فقدت السمع والبصر والذاكرة. وفي أحد المطاعم، حيث كان دانيال يطعم أمه، في لحظة إنسانية ساحرة يمسك بأصابعها ويجعلها تتحسس أسياخ الكباب الشهية. يهدده ثم يجبره إرهابي متواجد في المكان على وضع حزام ناسف في حمامات المطعم. ينصاع المسيح لطلب الإرهابي ويضع الحزام على خصره، ثم تنتهي حكايته على هذا النحو: "خرّ المسيح منهاراً على ركبيته. راح يتنفس بصعوبة ثم تدفق البول في بنطاله. فتح باب المرحاض وزحف نحو الصالة. التقاه شخصٌ عند باب التواليت، فولّى هاربا وهو يصرخ: انتحاري، انتحاري، وسط هلع الناس والأطفال وهم يدوسون بعضهم البعض، لمح المسيح كرسيّ أمه فارغاً. فضغط على الزر".

 


"المسيح العراقي" المجموعة القصصية الثانية للكاتب والسينمائي العراقي حسن بلاسم، صدرت بالإنكليزية عن دار "كوما برس" عام 2012. ترجمها للإنكليزية الصحافي جوناثان رايت Jonathan Wright الذي سبق له أن عمل كصحافي ومراسل لوكالة رويترز في عدد من البلدان العربية. يشار إلى أنه سبق لبلاسم أن ترشح للجائزة نفسها عام 2010 عن مجموعته القصصية الأولى "مجنون ساحة الحرية" الصادرة بالإنكليزية عن الدار نفسها عام 2009. المجموعة القصصية التي ترجمت إلى لغات عديدة (الإيطالية، الفنلندية، البولونية، الإسبانية) كانت قد ترشحت في العام نفسه إلى جائزة فرانك أوكنور العالمية The Frank O'Connor International Short Story Award.

  

إن تأخر صدور النسخة العربية من "مجنون ساحة الحرية" حتى عام 2012، وكذلك عدم وجود طبعة عربية من مجموعة "المسيح العراقي" يثيران الكثير من الأسئلة حول قضايا النشر في البلاد العربية: هل يتوجب على من يكتب بالعربية الحصول على الاعتراف العالمي ليحظى بنشر كتبه بلغته الأم؟

التعليقات

المقال التالي