مصر أم كلثوم

مصر أم كلثوم

حرية أم كلثوم كانت في أنها غنّت كما أرادت هي أن تغنّي، وبطولتها كانت أنها جعلت من موهبتها وقراءتها العميقة لهذه الموهبة السند الحقيقي لتجربتها. لذلك فإن السلاطين بلباسهم الملكي والجمهوري، المدني والعسكري، كانوا بحاجة إليها، بينما لم تكن هي بحاجة إلى أحد. كانت تجربة غنية بذاتها المكوّنة من صوت أم كلثوم وحضورها وطريقة تفكيرها وشعرائها وملحنيها وجمهورها. لم تكن تجربة أم كلثوم سوى ما ذكرت، لذلك كانت السلطات تسعى إليها، ولم تسعَ هي إلى أحد، وليس هذا الكلام معنياً بالتفاصيل الصحافية بقدر ما هو معني بنتائج هذه التجربة وطرق مسارها وتعرجاتها داخل خطها الواضح المستقيم.

اعلان


من هذا المنطلق، كان من الطبيعي لمعبودة الجماهير بحق أن تكون مكروهة من قبل اليسار العربي بشقيه الأممي والقومي. فهي منافسته في جذب الجمهور، وهي عدو خطاباته الرنانة الأول، بل إنه احتاج إلى إلقاء خطبه في تقديم حفلاتها وهو يتملقها كي يستخدمها جسراً وسط النجاح الساحق الذي تحققه أم كلثوم كل لحظة. وكان الزعماء يكسرون على أنوفهم بصلة ضخمة فيحضرون حفلاتها وهم يتجملون بالحضور متأخرين كي يتميزوا ولو قليلاً عن الجمهور الذي يتمنون أن يكون معهم بنسبة ربع ما هو مع أم كلثوم.

 هذا في العلن الرسمي، أما في العلن الديمقراطي فكان النقاد اليساريون المشبعون بالحسّ القومي المناضل يهجونها، حتى وصل بهم الأمر لأن يحملوها مسؤولية هزيمة 5 يونيو 1967 أمام العدو الإسرائيلي الغاشم على حد قولهم، فصار جمال عبد الناصر بطلاً بعد الهزيمة، وصارت أم كلثوم الشيطانة الرجيمة التي تسببت بالهزيمة، ولمَ لا ما دامت صرفت الجمهور عن الحرب الطاهرة المقدسة لتلهيهم بدنس أغانيها.


صارت هي المخدر الذي دمّر الشعور القومي وأحبط همّة الأمة، صارت هي الحشيش الذي أصاب الشعب المقاتل بالخمول والكسل. وتفنن اليسار العربي بانتقاد أم كلثوم والرفع من شأن جمال عبد الناصر، فصارت أم كلثوم كالدين في مفهوم ماركس أفيوناً للشعوب. ولم يكن هؤلاء النقاد ليشعروا بأنهم يرفعون من شأن الست، ست الشعب، بانتقاداتهم هذه، فهم يعترفون ضمناً بسلطتها المطلقة على الشعب، لكنهم لم يفكروا للحظة بسؤال أنفسهم: من أين جاءت أم كلثوم بسلطتها هذه؟

أريق حبر كثير في وصف وتحليل ظاهرة أم كلثوم، وماهية هذه الظاهرة، وشخوص هذه الظاهرة من عباقرة الشعر والموسيقى، مما يجعل من تكرار هذا الحديث مجرد تكرار، فالشعر الذي قربته أم كلثوم من الناس، كان المحدثون من الشعراء يحاولون قدر الإمكان إبعاده عن الناس وتخصيصه بنخبة سطحية التفكير تعتقد أن على الشعر أن يكون كذلك، بل تعدى دورهم عزل الشعر إلى تغريبه وتجريده من روح الشرق. لذلك سمّيت أم كلثوم "كوكب الشرق". فهي الشرق بشعره وموسيقاه وصوته، بل بأنينه وشكواه وعظمة آهاته، وهل هناك أعظم من آهات أم كلثوم، تلك الآهات التي ترق حيناً وتهدر أحياناً، تثور حيناً وتسكن أحياناً، تحتج حيناً وترضى أحياناً، حتى غدت آهاتها لغة خاصة يفهمها الجميع، لغة خاصة بها، لغة أم كلثوم، لغة الغناء الخالص المتحرر من الكلام والسلالم الموسيقية حتى لو جاءت في سياقهما. لذا سمّيت "سيدة الغناء العربي". فسيدة الغناء تضع آهاتها منفصلة عن الكلمة تارة، وتوصلها بها تارة أخرى، وتعيد بسلطنة لا مثيل لها المرة تلو الأخرى المقطع الغنائي نفسه، وفي كل مرة تختلف بإحساسها عن المرة التي سبقتها، حتى غدا جمهورها في أعلى مراتب التذوّق معها، وصارت ثقافة الحب ملك الشارع.

فأم كلثوم لا تغنّي إلا للحب، لا تجد موضوعاً يستحقّ الغناء أكثر منه، والبلاد تعيش الحرب، لا شيء أصلاً سوى الحرب، حرب ضد طبقة، حرب ضد فئة، حرب ضد حزب، حرب ضد عدو خارجي، حرب وحرب وحرب، إذ لا يمكن لسلطة في الشرق الأوسط الذي ما زال قيد الاستعمار إلى الآن البقاء بدون حرب، لا يمكن الاستواء على العرش دون حرب. لا يمكن الاستقرار على الكرسي دون حرب تهز البلاد ليلاً ونهاراً، دون خطب الكراهية ليلاً ونهاراً، دون النباح "الثورجي" ليلاً ونهاراً، بينما استقرت أم كلثوم واستوت على عرش الغناء العربي بالحب، بالشعر، بالفن، بالموسيقى، بأرقى ما منح الله البشر من مَلكات، فكانت الكوكب الذي حاول الطغاة التقرب منه، والسيدة التي حاولوا أن ترتبط أسماءهم باسمها ولو بأغنية، ولو بخبر، تاركين العنان لصحافتهم "الحرة" ـ على أساس ـ أن تكيل لها الاتهامات.

نعم قالوها مراراً وتكراراً دون خجل، إنها سبب الهزيمة النكراء، أصبحت هي الخائنة، وصار قائدهم المهزوم هو البطل، صارت هي عدوة الشعب، وأصبح قائدهم مخترع المخابرات في مصر وسوريا هو معبود الجماهير. لكن لربما كان بين سطور هؤلاء كلمة تقول الحقيقة دون علمهم، وهي أن أم كلثوم هزمت الحرب، فالشعب الذي دُعيَ إلى الحرب كان يريد الحب، وخطب القائد الرنانة لم تستطع أن تصل إلى أسماعهم برغم عدالة القضية الفلسطينية، بينما كانت آهات أم كلثوم تتغلغل في القلوب، وفي قاعها النبيل تستقر. ربما كانت الجماهير قد عرفت وقتذاك ما عرفناه الآن عن وهم وكذبة حروب العرب ضد إسرائيل، اكتشفوا لعبة التحالفات بين بعض الحكومات العربية وإسرائيل قبل أن تجرعنا الثورة السورية مرارة هذا الاكتشاف الآن، كانت أم كلثوم سباقة في هذا أيضاً.

لم تكن أم كلثوم بحاجة إلى السلطة، لأنها كانت هي السلطة. ومصر لم تكن مصر جمال عبد الناصر كما كانوا يقولون حتى في تقديمهم حفلات أم كلثوم التي كانت تستمع في الكواليس واثقة في قرارتها أن مصر لها، مصر أم كلثوم.

التعليقات

المقال التالي