متحف الشارقة للحضارة الإسلامية

متحف الشارقة للحضارة الإسلامية

فازت إمارة الشارقة بلقب عاصمة الثقافة الاسلامية لعام 2014، في إطار برنامج عواصم الثقافة الإسلامية التي تشرف عليه المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة، إيسيسكو. اعتمدت المنظمة في اختياراتها على شروط دقيقة، تضمن أن تكون المدينة المرشحة ذات عراقة تاريخية مدونة، وسمعة علمية واسعة، ساهمت في تبوئها مكانة ثقافية بارزة في بلدها ومنطقتها، على مرّ التاريخ الإسلامي للبلد وللمنطقة بصفة عامة، وأن تكون لها مساهمة متميزة في الثقافة الإسلامية، وفي الثقافة الإنسانية.

لطالما اعتبر الشيخ الدكتور سلطان بن حمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى في الإمارات العربية المتحدة وحاكم الشارقة، أن الثقافة "تؤثّر وتتأثرّ" وأنها ليست وسيلة لسدّ حاجة ما، لا بل أنّها جزء لا يتجزّأ من الحياة اليومية. انعكست أقواله في مبادرات ثقافية عدة: إنشاء دائرة الثقافة والاعلام التي تنظّم معرض الشارقة للكتاب منذ 1981، مهرجان الفنون الوطني، بينالي الشارقة للفنون منذ 1994، افتتاح بيت السركال كمزيج من التراث المادي والفنون والمركز الثقافي، وثلاث مكتبات للأطفال، من دون أن ننسى إنشاء إدارة متاحف الشارقة التي تضمّ 16 متحفاً منذ 2006.

اعلان


أول متحف خاص بالحضارة الإسلامية

يطلّ متحف الشارقة للحضارة الاسلامية من بين المعالم الثقافية البارزة في الإمارة، في خطوة لتقدير الفنّ الاسلامي والاستمتاع بالتاريخ والعلوم والثقافة الاسلامية. وخلال تجوّلنا في أروقة المتحف، تُخبرنا الدكتورة ألريكا الخميس، المستشارة الاستراتيجية لإدارة متاحف الشارقة، قصة هذا المتحف الذي بدأت أعماله عبر إعادة تأهيل السوق القديمة وتحويلها الى متحف عام 2000 ليفتح أبوابه للزوار عام 2008. تقول إن "الشيخ الدكتور سلطان بن حمد القاسمي، الذي يحبّ الهندسة المعمارية والتاريخ والثقافة، كان حريصاً على الحفاظ على طابع السوق القديمة المعماري، وإجراء التعديلات اللازمة فقط لتحويلها متحفاً. حافظ المتحف بذلك على هندسة السوق الأصلية، باستثناء وحدات التسوّق التي تمّ تحويلها إلى صالات عرض متميّزة".

تعتبر الخميس أن المتحف يضمّ كل جوانب الحضارة الاسلامية، وأنه "صلة وصل بين الماضي والحاضر والمستقبل ويقرّب المسافات بين الأجيال". الحقيقة إن المتحف نجح في أن يكون حلقة تواصل، لاسيّما بسبب تنوّع زوّاره: الإماراتيون والمقيمون في الإمارات، إضافة إلى سياح من عُمان ودول الخليج وسياح دوليين، من فرنسا وروسيا وألمانيا واسبانيا وايطاليا. أشارت الخميس إلى تزايد الزوار من شرق آسيا، إذ استقبل المتحف 15 ألف صيني في أبريل الماضي. إلا أن القيّمين على المتحف يركّزون على الزوار المحلّيين، وقد حدّدوا رسم دخول رمزي (5 دراهم للكبار و10 دراهم للعائلات والأطفال مجاناً) في خطوة للترحيب بالجميع. "لا نريد أن نستبعد أحداً. خلال عطلة نهاية الأسبوع، يحضر سائقو الأجرة والعمّال لزيارة المتحف".

لا شكّ أن متحف الشارقة للحضارة الاسلامية يجذب هذا العدد المتنوّع من الزوار، بفضل مقتنياته التي تصل إلى 5000 قطعة من مختلف حقبات الحضارة الاسلامية، تتوزّع في سبع صالات عرض. تشرح لنا الخميس أن هذه المقتنيات تمّ جمعها عبر عقود، معظمها كانت ملكاً لحاكم الشارقة وعدد منها تبرّعات من أفراد المجتمع. تضيف "نحن متحف متنوّع ومرن جداً، على خلاف المتاحف الأخرى المخصصة للفن أو الدين أو العلم فقط".

بالفعل، يحملك المتحف في رحلة بين صالاته الأربع في الطابق الأول، من أولى عصور الحضارة الاسلامية إلى العصر الحديث، فتُمتّع نظرك بمختلف القطع الفنية الاستثنائية، من الملابس إلى الأواني والأثاث والأسلحة، وصولاً إلى المجوهرات ومواد البناء، مع إنارة خافتة وأجواء دافئة. أما الطابق الأرضي، فيخصص أروقته لمجموعة جديدة من العملات المعدنية، في حين تضم إحدى صالاته أبرز الابتكارات والإنجازات في مجال العلوم والطب. وتحتضن صالة أخرى المعارض المؤقتة، التي يحاول المتحف تنظيمها مرّتين سنوياً، في خطوة لتنويع الفعاليات التي يقدّمها.

في هذا الصدد، ينظّم متحف الشارقة معرض "لتتعارفوا" الذي يضمّ مقتنيات من متحف الفاتيكان للأعراق البشرية، من شمال إفريقيا حتى الصين، وما بعدها. تصف الخميس هذه الشراكة بأنها "تجربة رائعة على المستوى المهني والشخصي، وأن المعرض لاقى ترحيباً كبيراً من قبل الزوار". في هذا المعرض الذي يريد أن يكون حواراً بين الأديان والثقافات، تمّ اختيار سبعين قطعة بعناية، من الأدوات الموسيقية إلى الملابس والستائر والأسلحة. من بين القطع التي جذبت انتباهنا مصحف من القرآن الكريم، يعود إلى أوائل القرن الرابع عشر، اكتُشف في إندونيسيا وتمت طباعته في غلاسكو، بالإضافة إلى مزهرية (رمز المعرض) تحمل نقشين هما "الحمدلله" و"سبحان الله"، زخرفة بيزنطية وبورسلان خزفيّ صيني. تقول الخميس إن اختيار هذه القطع يعود إلى جمالها وتأثيرها البصري، ولاسيما القصة التي تحملها.

متحف الشارقة أول متحف حضارة اسلامية

لا يكتفي المتحف بتنظيم المعارض وحسب، بل يسعى كذلك إلى أن يكون متميّزاً في الجولات التي يقوم بها للزوار، لذا استحدث "المجلس". بعد جولة في المتحف، يجلس الزوار في المجلس ويناقشون مختلف المواضيع، من الملابس إلى الأطعمة. تقول الخميس إن التجربة متميّزة، لاسيما أنها تجمع مختلف الأجيال. كلّ هذا، إضافة إلى أن المتحف يتعاون مع المدارس والجامعات لتقديم باقة من ورش العمل والدورات التعليمية. يبقى الهدف الأساسي، وفقاً لخميس، "أن نجمع الناس بعضهم إلى بعض، ونجعلهم يدركون أننا بشرية واحدة، وأنه يجدر بنا العمل معاً". على هذا النحو، تمكّن متحف الشارقة أن يحفظ له مكانة مميزة في الساحة الثقافية المحلية والدولية، بفضل قطعه الفريدة وفعالياته والشراكات التي يقيمها مع مؤسسات دولية، كمجموعة الصباح الكويتية ومتحف برلين للفنون الاسلامية و"جائزة جميل" من متحف فيكتوريا وألبرت في بريطانيا.

يبقى المتحف جزءاً صغيراً من المتاحف والمباني والفعاليات التي ساهمت في فوز إمارة الشارقة بلقب عاصمة الثقافة الاسلامية 2014، ليُضاف اللقب الجديد إلى ألقاب أخرى تحملها الشارقة التي تُعتبر عاصمة الثقافة في الإمارات العربية المتحدة. كانت الشارقة من قبلُ عاصمة الثقافة العربية (1998)، الأمر الذي مهّد الطريق لجائزة الشارقة للثقافة العربية بالتعاون مع اليونسكو، والتي تُمنح تقديراً لجهود شخصيات ثقافية، أو مؤسسات أو جماعات، تسهم بأعمالها الفكرية أو الفنية أو الترويجية في تنمية الثقافة العربية ونشرها في العالم.

باميلا كسرواني

صحافية لبنانية عملت في مجال الصحافة المرئية والمسموعة وتعمل في الصحافة الإلكترونية بين دبي ولبنان. تحمل ماجستير في الإعلام من جامعة السوربون الفرنسية.

التعليقات

المقال التالي