ما الذي يرويه كتاب «يوميّات أمير منبوذ»؟

ما الذي يرويه كتاب «يوميّات أمير منبوذ»؟

بعد مضيّ سنوات طويلة على خروجه المثير من القصر الملكيّ في المغرب، عقب وفاة الملك الراحل الحسن الثاني، قرر الأمير هشام العلوي بن عبد الله، أحد أمراء الأسرة العلوية الحاكمة في المغرب، وابن عمّ العاهل المغربي الحالي محمد السادس، إخراجَ قصة خلافه مع القصر في كتاب سيرة ذاتية يروي فيها دسائس القصر التي جعلت منه أميراً منبوذاً، على حدّ تعبيره. بدأ توزيع الكتاب (343 صفحة) في المكتبات الفرنسية في شهر أبريل الماضي عن دار غراسي Grass للنشر، وتلى ذلك تأكيد مصادر مسؤولة في وزارة الاتصالات المغربية أن الحكومة أعطت مواقفتها على استيراد وتوزيع الكتاب، مهما كان مضمونه.

المغرب، التي تعرف برقابتها على المطبوعات الناقدة للنظام، بكل أنواعها، لن تقف في وجه هذا الكتاب. القرار المفاجئ قد يعكس رغبة في التغيير، كما قد يكون خطوة ذكية هدفها التقليل من الاهتمام الإعلامي المحلي والدولي الذي قد يثيره منع الكتاب. لكن ما الذي يتضمنه الكتاب الذي ولّد موجة كبيرة من التعليقات على وسائل التواصل الاجتماعي، منها ما اعتبره يمثل وجهة نظر من داخل العائلة المالكة، لا بد من التوقف عندها، ومنها ما رأى أنه لم يأت بأي جديد، ويقدم تحليلاً سطحياً للوضع السياسي في المغرب.

اعلان


يمزج الكتاب بين السيرة الذاتية للأمير، من طفولته إلى تأسيسه مركز أبحاث في جامعة برينستون الأميركية، وتصوره الخاص لمستقبل الملكية في المغرب في ظل شكلها الحالي، وأسباب خلافه مع نظام الحكم.

يوجه الأمير هشام العلوي رسائل تحذيرية شديدة اللهجة إلى النظام الذي يقوده ابن عمّه، محاولاً إيصال وجهة نظر مركزية تقول إنه يستحيل الوصول إلى نظام ديمقراطي في المغرب، ما دامت الملكية متعايشة مع بنية تقليدية وعتيقة اسمها المخزن (النخبة الحاكمة في المغرب). يقول مثلاً "رغم وجود هياكل لسلطة حديثة في المغرب، إلا أنها في نهاية المطاف تخدم المخزن، وهذا لن يخدم المغرب".

حاول الكتاب تأريخ طريقة تعامل الملوك العلويين مع المخزن منذ رحيل الحماية، وخصص جزءاً هاماً من فصوله لمرحلة حكم الحسن الثاني، وطريقة إدارته للحكم والأزمات التي عرفها نظامه، واصفاً نظام حكمه بالمطلق، تحديداً في الفترة الممتدة بين  1961-1990، فيما شهدت بداية التسعينات تحدياً جديداً لحكم الحسن الثاني بعد التطورات والتغيرات الجيوستراتيجية التي عرفها العالم. سعى الملك الراحل إلى انتقال الحكم بشكل سلسل إلى ابنه محمد السادس، عبر إدماج أحزاب المعارضة المنبثقة من الحركة الوطنية في الحكم من خلال مسلسل ما عرف بـ"التناوب الديمقراطي"، لكنه تناوبٌ ظل "محدوداً" على حدّ قول صاحب الكتاب، وجاء لمصلحة قوة المخزن.

في عهد محمد السادس، اعتبر الأمير هشام أن الانتظارات الكبيرة لحصول تغيير حقيقي أصيبت بخيبة آمال كبيرة. الملك أطلق، بحسب الأمير، رصاصة الرحمة على الحياة الحزبية حينما قرر تأسيس حزب مقرب منه هو حزب الأصالة والمعاصرة.

على المستوى الشخصي يبدأ الأمير برواية نسبه، معتبراً أنه وريث بلدين كبيرين (لبنان والمغرب)، وعائلتين بارزتين. يتحدث عن جدّه رياض الصلح، أبرز رموز استقلال لبنان وأحد وجوه الوحدة العربية، بحسب تعبيره، ويروي قصة الحب التي جمعت ابنته، لميا الصلح، بوالده الأمير عبد الله. يتوقف مطولاً عند أسرار العلاقة الملتبسة التي جمعت هذا الأخير بالحسن الثاني، وهو توتّر ورثه هو على حد تعبيره، حيث استمرت علاقته بالحسن الثاني باردة ومليئة بالصدامات والتشنجات، خصوصاً حينما قرر الأمير الدراسة في الولايات المتحدة. يحكي الأمير كذلك قصة إبعاده من القصر مباشرة بعد وفاة الملك الحسن الثاني، بعد حديث صريح جداً خاضه مع الملك الجديد، طالبه فيه بالقطع مع إرث والده وبناء نظام ديمقراطي. لم يعجب هذا الكلام الملك الجديد، فطلب منه عدم العودة إلى القصر وبدأت مع ذلك قصة صراعه مع المخزن.

لا يمكن الجزم، اعتماداً على الكتاب، إن كان الأمر يتعلق فعلاً بأمير منبوذ، أم بأمير حانق كان يحلم يوماً بأن يكون ملكاً. قبل أن ينشر كتابه، كان الأمير هشام حريصاً على تسجيل حضوره في كافة المحطات البارزة والحاسمة في تاريخ المغرب، من خلال إبداء آرائه ومواقفه. همّه أن يظهر للعالم أنه يتابع شؤون المغرب على عكس ما يقوله خصومه والمشككين في خطابه، وأنه دائماً إلى جانب الديمقراطيين والمطالبين بالتغيير واحترام حقوق الإنسان. ففي عام 2011، في سياق الربيع العربي، دعم الأمير الاحتجاجات المطالبة بالتغيير في المغرب والتي قادتها حركة 20 فبراير، وطالب الملك بالاستجابة لها بشكل سريع. كما وجه انتقادات لاذعة للقصر إثر ما عُرف بـ"فضيحة دانيال" (مغتصب الأطفال الإسباني الذي استفاد من عفو ملكي) ما خلف احتجاجات شعبية غاضبة. حمل هشام العلوي مسؤولية ما وقع حينها لتركّز كل السلطات في يد القصر.

التعليقات

المقال التالي