"فتاة المصنع"، عن نساء العشوائيات في مصر والحب

"فتاة المصنع"، عن نساء العشوائيات في مصر والحب

يعد المخرج السينمائي المصري محمد خان، وعلى الرغم من تقدمه بالسنّ، من أكثر المخرجين شباباً في المشهد السينمائي المصري. ينتمي خان إلى تيار ما اصطلح على تسميته بـ "الواقعية" خلال سبعينات وثمانينات القرن الماضي، ويدعى اليوم بـ"الواقعية الجديدة". الأفلام التي قدمها كانت أشبه بسيرة ذاتية للمجتمع المصري، تنقل تجارب يملؤها الحنين والحب، الانكسار والصمود والخيبات، أي كثافة الواقع المصري بكل ما يزخر به من موضوعات.


فيلمه الأخير "فتاة المصنع"، الذي كان عرضه الأول في مهرجان "دبي السينمائي" 2013، بدأ مؤخراً رحلة عروض جديدة في صالات السينما في مصر ودول عربية أخرى، منها الإمارات العربية ولبنان الفيلم، الذي تجري وقائعه في مصنع للألبسة، لاقى حفاوة نقدية وجماهيرية كبيرة. جاء مملوءاً بالرفاهية البصرية على الرغم من زخم الألم الضاج بالسيناريو. هو محاولة لتسجيلٍ واقعيّ في مرحلة حساسة، لا حسب تاريخ السياسة، بل بحساسية ترصد تاريخ البنى الاجتماعية صاحبة الفعل السياسي الآني واليومي..

اعلان


 

يبدأ الفيلم بكادر لمجموعة من الفتيات المتقاربات بالمستوى الاجتماعي والمعاشي والتعليمي، حيث ترصد كاميرا خان الضحك والفرح على الرغم من الألم والقهر. بطلة الفيلم هيام (ياسمين الرئيس)، تعيش مع شقيقتها ووالدتها التي جسدت دورها الممثلة سلوى خطاب. هيام، كزميلاتها، تحلم بفارس الأحلام. الفارس هنا هو المهندس صلاح (هاني عادل)، صاحب القامة الممشوقة الذي تقع الفتيات في شباك التراقص على قلبه. يُصاب بوعكة صحية تبادر فيها هيام للاعتناء به والتقرب من أسرته المنتمية للطبقة الوسطى. على الرغم من التقارب الاقتصادي والاجتماعي بينها وبينه، تفرض والدة المهندس الشاب رقابة اجتماعية على علاقة من هذا النوع، وتنهي مدة خدمة هيام لدى العائلة.


ميلودراما هادئة تشتغل على تأصيل الأحداث بين فترة تملؤها الخيبة والإخفاق والشعور باليأس لدى هيام، وفترة أخرى تستعيد فيها عافيتها. الفتاة التي تحاول الانتحار رفضاً لإجبار صلاح على الزواج منها قسراً من قبل رجال الأسرة، ظناً منهم أنها حامل منه، تجد حبل غسيل ينقذها من موت محتوم. خلال رقادها بالمستشفى يكتشف الجميع عذريتها. تتخطى هيام تعلقها بفارس الأحلام، وفي الكادر الأخير من الفيلم، تظهر بثوب يشف عن جمال جسدها اللين، لتتراقص، مع نظرة تحد في العين وابتسامة، على إيقاع أغنية شعبية في حفل زواج صلاح، فيما نظرات من الإعجاب ترصد تمايل جسدها.


تجربة المخرج المصري محمد خان في فيلمه الأخير "فتاة المصنع" تستحق الوقوف عندها لاستقلاليتها التامة إنتاجياً. يقول المخرج المصري لموقع رصيف22: "الفيلم تجاوز كل مطبات الإنتاج بدليل وجوده وعرضه في الصالات". خان الذي يحبذ الوجوه الجديدة والشابة، لا يعتقد أن الأفلام المستقلة تحتاج لنجوم لضمان تسويقها، وحدها الأفلام التي تملك الميزانيات الكبيرة تستطيع الاستعانة بنجوم كبار.


أحداث الفيلم لا ترصد الوضع السياسي في المجتمع فقط، ولا تلتقط تفصيلاته، بل ترصد حياة النساء داخل مساكن العشوائيات. السيناريو المتماسك الذي استغرق جهداً امتد لسنتَيْن، قدّم فتيات يتقاسمن نفس الشروط ونفس المصائر التي غالباً ما تنتهي بمأساة. الشريط البصري، وعبر مونتاج حاذق يشتبك مع بعده الاجتماعي، يجعل من السيناريو حكاية تروي نفسها بلا صراخ. الثقافي في هذا الفيلم يطرح أسئلة ويجيب عنها بلا عويل، والتقني ينتصر لسينما تكون جزءاً من الحالة الاجتماعية.


الثورة الاجتماعية، غير المسيسة، ليست فعلاً سهلاً للنساء ولا للرجال أيضاً. هيام امرأة تتحدى منظومة المجتمع المكبلة لأنوثتها وتبحث عن مساحات لكي تنتشل جسدها وروحها من عشوائيات العيش، فتصطدم بواقع لا يعترف بفرديتها التي اكتسبتها عبر عملها وكسبها النقود لسد حاجات منزل العائلة.


الأحداث الحقيقية في الفيلم تبدأ حينما تكتشف الفتاة أنها بلغت الحادية والعشرين من عمرها، بداية سنّ العنوسة وفق المنظور الشعبي، حيث الزواج يصبح هدفاً جوهرياً. أي زوج لا يهم، المهم ابتعاد هذا الشبح عن حياتها، ولكن الشاب الذي وقع عليه الاختيار ينتمي إلى الطبقة الوسطى، بينما الفتاة تنحدر من القاع الاجتماعي، وهنا تتشابك أحداث الفيلم.


هيام لا تبدو غريبة الأطوار بالنسبة لعالم المعمل الذي تعيش فيه، ولكن إنْ خرجت من المعمل تحولت إلى شخص مختلف. تبدو إنسانة بسيطة باللقاء الأول مع صلاح، تنشد صداقة بريئة لا ضير أن تتسرب بعض الرومانسية إليها. بعد لقاءات متكررة تمنحه القبلة التي هتكت عرضها بنظر المجتمع، لأن لا مكان للحب والجنس في مجتمع يدفن رأسه في رمال تقاليد بالية.


الفيلم ليس عن النساء في العشوائيات فحسب، إنه عن ناس يعيشون على هامش المدن أيضاً. الثورة التي تظهر مترافقة مع أحداث الفيلم تبدو كاذبة، وعلى المصريّ إنجاز ثورته الشخصية الحقيقية، ثورة تُمكّنه من الحب والرقص على إيقاع المدينة، لا على هامشها منفياً ومغترباً عنها.

التعليقات

المقال التالي