وثائقي "عالم ليس لنا"، مخيم عين الحلوة في ضعفه

وثائقي "عالم ليس لنا"، مخيم عين الحلوة في ضعفه

ليس لدى مهدي فليفل (الفلسطيني/ الدنماركي) مخرج شريط "عالم ليس لنا" الذي بدأ حملة الترشح لجائزة "أوسكار" أفضل فيلم وثائقي عن سنة 2015، هوية فلسطينية رسمية حتى يدخل إلى مخيم "عين الحلوة"، جنوب مدينة صيدا اللبنانية، حيث يعيش أهله وأصدقاؤه. فقد سبق له أن ترك المخيم مع عائلته، ولم يكن قد تجاوز حينها الرابعة من عمره. آنذاك انتهت صلاحيّة أول وآخر هوية تدل على انتمائه الفلسطيني، ولذلك توجب على الشاب العائد لتوثيق جذوره وانتمائه العائلي والوطني، الحصول على ترخيص دخول، لكونه غريباً بنظر الجيش اللبناني الذي يضرب طوقاً أمنياً حول المخيم منذ تسعينيات القرن الماضي.


لكن فليفل قصد المخيم مع كاميرا تصوير وقليل من معدات الإضاءة والمونتاج. لم يقصد المخرج الشاب تصوير مدى الضرر الذي ألحقته إسرائيل بالشعب الفلسطيني، والمتمثل في التهجير وسلب الأراضي والخراب والقتل. ربما بات هذا الأمر معروفاً، ولا يحتاج لتبيان أضراره، لكن الضرر غير الواضح للعيان، حسب الرؤية البصرية لكاميرا فليفل، يتمثل بالمعاناة النفسية والاجتماعية والاقتصادية التي يعيش تحت ثقلها أكثر من 70 ألف شخص على مساحة لا تتجاوز الكيلومتر المربع الواحد،  أنشئت على عجل لتكون مكاناً مؤقتاً عقب نكبة العام 1948. سرعان ما تحول المؤقت إلى ثابت، وقُسمت أحياء المخيم حسب القرى والأماكن الأصلية التي قدم منها الناس، في إشارة إلى رمزية الحنين والذاكرة غير القابلة للنسيان. كل ذلك يبدو جلياً في تسمية حي "الصفورية" مثلاً، وهو اسم القرية التي قدم منها أهل المخرج وأقاربه وأصدقاؤه.

تلون الكاميرا في انطباعها البصري الرئيسي حياة الفلسطينيين، وتؤنسنها داخل المخيم من خلال ذاكرة ثلاثة أجيال. جيل الجد الذي يمثل ذاكرة المكان الأمّ، محاطاً بالاحترام من الكل بوصفه الحافظة الأساسية لجغرافية الوطن، وهو يرفض الرحيل إلى أي مكان تاركاً منزله، مكتفياً بوضع كرسي بلاستيكي أمامه، ناظراً صوب فلسطين.


وهناك العمّ، الذي لم يتزوج، يعيش على جمع علب المشروبات الغازية الفارغة وبيعها. الكاميرا تكشف كادراً بعد آخر مدى الحزن الذي يلف حياته الشخصية، عقب استشهاد أخيه أثناء الدفاع عن المخيم في الحرب الأهلية في لبنان. يتملكه حلم السفر كواحد من أفراد الجيل الوسط.


أما حال أبو إياد الشخصية، المعتنى برسمها بصرياً والتي تعبر عن الجيل الشاب الذي ملّ من المناحرات الداخلية الفلسطينية، فتظهر شخصية عبثية وعدمية، لا يسلم من حفلات سبابها أي من الفصائل الفلسطينية. إنها متحررة من رهبة الكاميرا، راغبة في قول كل شيء دفعة واحدة. كل تلك الأحداث تجري في جو ساخر يبعد شبح الخوف، رغم الأجواء السوداوية التي يعيشها الناس في الحقيقة.


لا يخفى على الجمهور المتابع لفيلم "عالم ليس لنا"، والمستعار اسمه من قصة قصيرة للراحل غسان كنفاني، مدى تأثر فليفل بطفولته القصيرة التي عاشها في المخيم. يقول فليفل لرصيف22 "بدأت الفكرة حينما بدأتُ بجمع أفلام قصيرة عن التجمعات أثناء كأس العالم في مخيم عين الحلوة سنة 2010". حينما عاد إلى بريطانيا وجد أنَّ لديه أكثر من 70 ساعة من اللقطات والمشاهد الصالحة لتكوين صورة أكثر تنوعاً وشمولاً من مجرّد رصد أجواء كأس العالم، مثلما كانت الفكرة الأمّ في البداية حيث "رصدت الكاميرا حياة أبو إياد لأكثر من ستة أسابيع". أسابيع ستة، بالإضافة لمحفوظات عائلية صورها الأب والعم على مدى أكثر من 10 سنين، ولقطات تاريخية وأخرى أرشيفية، شكلت الصورة المتينة لمونتاج حاذق.

download (1)

أثار الفيلم موضوعاً مسكوتاً عنه في الإعلام، وهو بذلك كسر صورة نمطية عن أن المخيم مكان للجريمة المنظمة والسلاح المنفلت والتفجر الأمني، ليحاول نقل صورة تعطي انطباعاً عن ضرورة كسر المسلمات غير الصحيحة عن أناس محرومين من ممارسة أكثر من 72 مهنة، حسب القانون اللبناني، منها الطب والمحاماة ووظائف الدولة الرسمية، محرومين من التجنس بحجة عدم نسيان الوطن.


أسئلة كثيرة تتخلل الفيلم الذي يقدم المخيم كمكان للسلاح المنضبط والخفيف المخبئ تحت الثياب، وليظهر كيف تكون الجريمة مقنّنة، والتفجر الأمني زعماً ليس أكثر، فالناس البسطاء، وهم الغالبية، ليسوا مسؤولين عن مأساتهم.


فيلم "عالم ليس لنا" لمخرجه الشاب مهدي فليفل حظي باهتمام الإعلام وصالات العرض، ليس في الوطن العربي فحسب بل في العالم كله، وحاز على عديد من الجوائز. مواصفاته المميزة وتنويعاته الجمالية تجعله يستحق المنافسة على الأوسكار بجدارة.

التعليقات

المقال التالي