الرقص المعاصر في العالم العربي يبلغ عامه العاشر

الرقص المعاصر في العالم العربي يبلغ عامه العاشر

أعوام مضت منذ ولادة أول مهرجان للرقص المعاصر في بيروت والعالم العربي. أعوام ولحظات ورقصات حافلة بالأحاسيس وبشهادات على قصص بيروت والمنطقة، يحتفل بها بايبود Bipod (مهرجان بيروت للرقص المعاصر) هذا العام. عروضٌ راقصة متنوعة ستحتل ليالي المدينة على مدى 17 يوماً، لتجول بعدها في بعض النقاط الحية من العالم العربي.


القصة بدأت في بيروت منذ 10 أعوام، عندما عاد عمر راجح من لندن بعد أن أكمل دراساته العليا ليحاول أن يدخل المعاصر على الخشبة البيروتية الثقافية. غياب الرقص المعاصر في المنطقة، والحاجة الملحة لذلك النوع من الفن، دفعاه إلى تشكيل فرقة "مقامات"، ثمّ إطلاق المهرجان. قرر أن يجد الإلهام عبر دعوة بعض فرق الرقص المعاصر والموسيقيين ومصممي الرقص إلى بيروت، ليتبادلوا تجاربهم الثقافية المختلفة. هكذا، وبشكل عفوي انطلقت الدورة الأولى لبايبود عام 2004.


الجمهور امتصّ الطاقة الفنية الصادرة عن العروض الراقصة حتى آخر نقطة، وأخذ المهرجان يتوسع عاماً بعد عام، ليصبح اليوم المهرجان الرائد في المنطقة للرقص المعاصر. بعض العواصم العربية عبّرت عن رغبتها بمشاركة بيروت تلك التجربة، فعمل عمر في العام 2007 مع أصدقائه، سارية من رام الله، فلسطين، وتنوين من الشام وpac من عمان، ليخلقوا شبكة "مساحات" يتداولون فيها التجارب المكتسبة في الرقص المعاصر على خشبة عربية واحدة. هكذا، عند كل دورة من المهرجان تقام في بيروت، تتوزع فرقها في الأيام التالية على باقي عواصم "مساحات" للرقص، باستثناء الشام في الوقت الراهن.


كل مهرجان له خصوصيته وحريته في تنظيم الدورة وفق ثقافته الخاصة، بما يتناسب مع متطلبات جمهوره. الأردن مثلاً تفرض ضوابطها حتى على المطبوعات التي يخلفها المهرجان، في حين تبدو رام الله أقرب إلى الثقافة البيروتية، رغم تحفظ جمهورها حول بعض العروضات.


"ليمون" أو الملتقى العربي للرقص المعاصر كان الخطوة التالية لعمر راجح، التي تجسدت عام 2009 في بيروت. تمت دعوة أكثر من 120 مدير مهرجان وناقد فني من نيويورك وألمانيا وكوريا وفرنسا وغيرها من دول العالم، ليتعرفوا على ساحة فنية لم يعرفوا بوجودها في المنطقة.


في حديثٍ لنا معه تحت ضغط التحضيرات ليلة افتتاح الدورة العاشرة من المهرجان، أخبرنا عمر راجح عن التحديات التي على البلاد العربية أن تخوضها حتى تبقى موجودة في الساحة المعاصرة. المشكلة الأساسية التي يواجهها الرقص المعاصر في الساحة العربية برأيه هي قلة تفاؤل العاملين فيها ومحبيها. أكثرهم يشتكي من عدم توفر التمويل اللازم لإقامة المهرجانات، ولكن عمر راجح يؤمن أن المثابرة هي الوسيلة الوحيدة لتخطي ذلك. استطاعات فرقة مقامات على مدى أعوام، من دون تمويل جدّي، أن تقدم كبار فناني الرقص المعاصر العالميين، الذين قبل معظمهم الدعوة للمشاركة في المهرجانات من دون التفكير بالكسب المادي “أي راقصٍ يعشق الرقص يتفرّغ من كل أشغاله ليقصد بيروت ويشارك بتطوير فنها الراقص ويستمع لنبضها المميز الذي لا تعرف إحياءه أي عاصمة أخرى في العالم” يقول. أسماء كبيرة مثل Sasha Waltz وأكرم خان يلبّون الدعوة في كل مرة، في وقتٍ لم تتمكن فيه مدارس عالمية أخرى من أن تحظى بهم، وذلك لأن “النضال الفني البيروتي”، ببساطة، لا يقاوَم.


يعتبر عمر راجح، من جهة أخرى، أن الراقص العربي لا يريد الانفتاح “يشعر بالطمأنينة الزائفة بالحدود التي يعرفها، وهو في أكثر الأحيان قليل الصبر ويدّعي المثالية فقط بعد 3 أشهر من التمرين، ليذهب ويعرّف عن نفسه ككوريغرافي مميز، بينما هو لم يفهم المعاصر بعد”. الاستسلام السريع، هو العقبة الأبرز في طريق مواهب البلاد العربية، التي لم تدرك بعد أن الشغف وحده قد يأخذ نحو العالمية. لكن وضع العالم العربي اليوم في تعاطيه مع الفن بشكل عام لا يساعد كذلك، بحسب عمر راجح. سوريا، على سبيل المثال، كانت الدولة الأكثر دعماً للرقص في المنطقة، والوحيدة التي أمّنت شهادات عليا في الرقص في وقتٍ لم تعرف في البلاد العربية الأخرى قيمة مدارس الرقص. “رغم كل ما كانت تعاني منه، كانت مسارحها تمتلئ بالعروض يومياً، ومدارسها خرّجت أهم الراقصين” يقول.


الثورات التي اجتاحت سوريا، ومصر وغيرها من البلدان، هي برأيه، ثورات غير مرتكزة على تفكيرٍ تطوري يسعى للازدهار، بل ثورات أتت ردّة فعل على الأحوال الاقتصادية والسياسية الرديئة، لذا أخذت معها كل تفكيرٍ حي وتطوري وشغوف كان موجوداً. “من أراد التغيير الإيجابي فشل بمهمته، والإحباط أصاب مختلف الميادين الثقافية ومن ضمنها الرقص”.

في الأمس انطلق bipod في دورته العاشرة في بيروت، بعرضٍ رائع لراسل مليفانت من بريطانيا، الذي قدم كوريغرافيا أخّاذة بحركاتها الراقصة والصوتية والضوئية، ليبدو الجسم الراقص كياناً غير جامد، يتنقّل في الزمان والمكان دون أي قانونٍ يحكم حركاته. عروضٌ مختلفة ستحتل ليالي بيروت على امتداد 17 يوماً، ليليها افتتاح مهرجان عمانللرقص المعاصر في 13 أبريل، ومهرجان رام الله للرقص المعاصر RCDF في 14 أبريل.

كريستين أبي عازار

صحافية لبنانية تعمل في مجالي الإعلانات والصحافة المكتوبة. متخصصة في الشؤون الاجتماعية والثقافية في منطقة الشرق الأوسط. عملت سابقاً في مجلة ماري كلير Marie Claire العالمية بنسختها العربية.

التعليقات

المقال التالي