قبل أن تخفت أضواء المسرح السوري

قبل أن تخفت أضواء المسرح السوري

على الرغم من قلّتها، تشكل المحطات المضيئة في تاريخ المسرح السوري مرجعاً عملياً ونظرياً للعاملين والباحثين فيه. وأي فنان يمكن أن يتصف عمله بالتجريب لأنه لا يتعامل مع فن ذي شروط وقواعد صارمة، فقوانين المهنة المسرحية، إن وجدت، تبقى مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بـ "الآن وهنا".

لذلك يتجاوز هدف التجريب في الفن جميع التوقعات ويرتبط براهنية الخطاب وبطريقة معالجة الإشكالية المطروحة، وهو ما عبر عنه المسرحي الأميركي المخضرم ريتشارد شيكنر عندما قال أنه: "يهدف إلى دفع الحدود مسافة أبعد، وتوسيع الآفاق، ومساءلة العقائد القائمة وتحديها، وخلق مجتمعات من الفنانين والجماهير، قد تكون مؤقتة لكنها قوية، ولإظهار كيف يمكن للناس العبور مراراً وتكراراً، جيئة وذهاباً، بين الفعليّ والمتخيّل إلى ما لا نهاية".

اعلان


بداية هذه التجارب المضيئة كانت في ستينيات القرن الماضي، مع "مسرح الشوك" (1959) ومؤسّسه الفنان عمر حجو، الذي قدم عروضاً متنوعة ذات طابع سياسي اجتماعي. كانت أولى تجاربه مع فن البانتومايم (1957)، بعروض تشير بلغة مسرحية إلى مكامن الفساد والضعف في السلطة. وسرعان ما انتقل إلى العمل في المسرح الجوال، متنقلاً بين القرى السورية، ليقدم عروضاً تحاكي هموم الفلاحين، وتسهم في تنمية الريف، وفي بناء قاعدة متينة تؤسس لعلاقة أصيلة بين المشاهد والمسرح. لكنّ مشروع المسرح المتنقل لم يستمر طويلاً، إذ توقف لأسباب تدل، في الدرجة الأولى، على تخلف الممسكين بزمام القرار السياسي، ورغبتهم في احتكار كل شيء، حتى المسرح…

لكن التجربة الأنضج في تاريخ المسرح السوري، والتي قدمت نموذجاً سورياً لمفهوم المسرح التجريبي، تمثلت في مشروع الراحل فواز الساجر. المخرج الذي قدم عروضاً شكلت علامات فارقة في تاريخ المسرح السوري. عُرف الساجر كرائد مجدّد يقترن اسمه، اليوم، بكل حديث حالم عن مسرح سوري أفضل.

كان لقاء الساجر بالراحل سعد الله ونوس، وعملهما سوياً، من أهم المحطات التي عرفها تاريخ المسرح السوري. هكذا، أسسا "المسرح التجريبي"، وقدما أعمالاً تضاف صفة التجريبية إلى شروطها الفنية المكتملة، بدءاً بمونودراما "يوميات مجنون" (1977)، وانتهاءً بمسرحية  "الحكايات الثلاث" (1980) للكاتب الأرجنتيني أزوالدو دراكون.

غير أن الساجر لم يلجأ إلى التجريب بوصفه حالة أو مصطلحاً سمع به وقرأ القليل عنه فأعجبه، كما جرى مع كثيرين؛ بل "جرّب" بعد فترة طويلة من العمل اليومي على الخشبة، ومعايشة حقيقية لواقع الشارع السوري وهمومه. فالتجريب صفة أسبغتها الخشبة على طبيعة أعماله، دون أن يكون هدفاً له بحد ذاته.

صحيح أن التجريب يقتضي البحث عن شكل جديد؛ ولكن هذا لا يعني غياب الأسئلة أو تجاوز الخطاب الفكري المنوط بالمسرح ودوره. يقول الساجر: "التجريب، بالنسبة إلينا، يعني البحث عن المسرح الذي يلبي حاجاتنا الثقافية والتاريخية، يعني خلق مسرح أصيل وفعال في المناخ السياسي الاجتماعي الراهن".

مع السنوات التي مضت منذ مطلع الألفية الجديدة، ازدحمت المسارح السورية بالكثير من "العروض التجريبية". لم تكن رؤية كثير من هذه العروض إلى المسرح تتعدى الهواجس والخواطر الشخصية. فبعد عملَيْها "شوكولا" (2006) و"تيامو" (2009)، قدمت المخرجة رغدة شعراني عرضها الثالث "لحظات" في الدورة الأخيرة من مهرجان دمشق للفنون المسرحية (2010)، المتأثر بشكل كبير بالبرنامج التلفزيوني "ستار أكاديمي". وقدم العرض لحظات عادية ومختطفة من حياة شباب يعيشون في منزل مشترك، ترافقها، على الخشبة، شاشة سينما عملاقة، كان سبق لشعراني أن استخدمتها من قبل، وكأنها محاولة لترميم أو ملء الفراغ الدرامي الذي كانت المخرجة قاصرة عن تشكيله.

وفي أعمال أخرى، من بينها مثلاً تجارب المخرج والممثل عبد المنعم عمايري، يغيب الحوار المسرحي ويتحول العرض إلى مجموعة مونولوجات ملصقة ببعضها البعض، يؤديها كل ممثل تحت بقعة ضوء باهتة، الأمر الذي يتعب الممثلين ويجعلهم يتجهون في معظم الأوقات إلى الصراخ وبذل جهد مضاعف، في محاولة لمقاربة الأداء المسرحي التونسي، ذي النبرة العالية، بصورة مشوّهة.

تبتعد هذه العروض الجديدة، زمنياً، عن المفهوم الإبداع الجماعي في المسرح. إذ تستند، غالباً، على عقلية فردية توكل لنفسها أكثر من مهمّة في العمل الواحد، وهو الشيء ذاته الذي كان يحصل مع الجيل السابق للألفية، والذي اتسمت أعماله بالنمطية وتكرار كليشهات ما فتئ المشاهد السوري يربطها بمسرحه. رموز هذا الجيل، الذين برزوا مع تنظيرهم للمسرح على أنه فضاء للتجريب والتجديد، كما فعلهشام كفارنة، وتامر العربيد، وزيناتي قدسية، ظلوا قابعين تحت مظلة التجربة الأولى، وتحت عباءة عدد من الكلمات والتوصيفات الجاهزة، التي عزّزت الشرخ بينهم وبين الناس في الشارع، حتى بات من الصعب العثور على أكثر من عمل واحد جيّد لكل منهم.

غير أن بعض التجارب استطاعت أن تفصح عن نفسها وعن أهمية مشاريع أصحابها الذين استطاعوا تقديم أعمال لامست الشارع السوري في تجريبيّتها وخلقها؛ الأمر الذي وضع نضوجها على خط البحث الحقيقي عن خطاب مسرحي جديد، مثل "وعكة عابرة" (2004)،  "المهاجران" (2008)، "المنفردة" (2008 )، "حدث ذلك غداً" (2010)، و"قصة حديقة الحيوان" (2010 ). على الرغم من تنوعها، إلا أنها تمكنت أن تفرض نفسها كأعمال ناضجة لمخرجين أصحاب تجارب ومشاريع حقيقية، يبشرون بحركة مسرحية سورية متجددة، مثل نوار بلبل، سامر عمران، أسامة غنم، أسامة حلال، رأفت الزاقوت، وغيرهم.

التعليقات

المقال التالي