منع الكتب في المعارض، تسويق مجاني

منع الكتب في المعارض، تسويق مجاني

مؤخراً منعت السلطات السعودية عرض عدد من الكتب في معرض الرياض الدولي للكتاب، لا سيما كتب جماعة الأخوان المسلمين وأعمال الشاعر نزار قباني! انتشر الحديث كذلك عن قيام المسؤولين عن المعرض بإغلاق جناح "الشركة العربية للنشر والأبحاث" بحجة عرضها لـ "كتب ممنوعة" و"تمس أمن المملكة".

اعلان


يندر خلوّ أي بلد عربي من لوائح كتب ممنوعة لأنها "تخلّ بالآداب العامة"، أو تمسّ المقدسات الدينية، أو لأنها تتطرق إلى "محرّمات" سياسية. لكن الرقابة التي تمارس في المعارض، تحديداً، تسير وفق منطق خاص، لا تكاد تفهمه حتى دور النشر!

العام الماضي، كانت الأجواء توحي أن زمن الرقابة على الكتب، في معارض الكتاب استثناء يكاد أن ينتهي. شجّع على ذلك قرار "معرض مسقط الدولي للكتاب" حينهاإزالة كل رقابة كان يعتمدها سابقاً، متخذاً ذلك شعاراً له. ففي مارس 2013، وجدت كل الكتب التي كانت ممنوعة عربياً قبل سنوات طريقها إلى معرض مسقط. كتاب "الربيع العُماني" مثلاً، الصادر عن دار الفارابي، والذي يتناول الحراك الشعبي في السلطنة عام  2011، منتقداً الحكومة بشكل واضح، وتداولت منعه وسائل الإعلام قبل افتتاح المعرض، كان موجوداً. كذلك كان الحال مع كتاب "الوثائق السرية العمانية في الأرشيف البريطاني" الذي مُنع لسنوات عدّة في المعرض وفي معارض عربية أخرى. رواية "الوخز" للعماني حسين العبري، الممنوعة منذ صدورها عام 2006 بسبب دخولها في متاهات أجهزة الأمن العماني، وجدت هي أيضاً طريقها للمرة الأولى إلى المعرض. وزير الإعلام العماني، عبد المنعم الحسيني، صرح حينها بالقول إن "زمن المنع انتهى، ولا يمكن أن يمنع أي كتاب في ظل الثورة المعلوماتية والتقنية" لأن "منع أيّ كتاب هو ترويج له".

اكتشف القيمون على إحدى معارض الكتاب في العالم العربي، على الأقل "هذه الحقيقة"! معرض مسقط الدولي للكتاب احتفظ بقراره هذا العام أيضاً، إذ لم تسجل فيه أية عملية منع.

في السنوات القليلة الماضية، قبل دخول العرب عالم الحياة الإلكترونية اليومية، كانت معارض الكتاب الوسيلة الأبرز للحصول على نظرة شاملة إلى آخر الإصدارات. ذلك بسبب البنية التحتية الضعيفة جداً للتوزيع في العالم العربي، التي تلخصها دراسة أجرتها "كتب عربية" قبل 7 أعوام تقريباً، آخذةً 150 كتاباً عربياً، مشهوراً ومغموراً، كعينة.

وفق الدراسة، فإن 10 بالمئة من هذه الكتب فقط كان يمكن العثور عليها في مختلف وسائل التوزيع المعتمدة. 10 بالمئة منها، أيضاً، لم يكن من الممكن العثور عليها إلا عبر الناشر أو الكاتب نفسه. أما الـ 80 بالمئة المتبقية، فيمكن الوصول إليها، حسب الدراسة، داخل مساحة لا تتعدى 5 كلم من محيط دار النشر. في هذه الحالة، لم يكن ممكناً لكتاب صدر في مصر، مثلاً، أن يجد طريقه إلى المملكة العربية السعودية، إلا عبر "معرض الرياض الدولي للكتاب". من هنا كان الحرص الكبير الذي تبذله إدارات المعارض، لحماية أرضها من كتب لا تتماثل مع ما تراه هي "مناسباً".

لكنّ الوضع اختلف كثيراً اليوم. يرى محمد جعيّد، مدير التوزيع في دار "رياض الريس للكتب والنشر"، المعروفة بجرأة الكتب التي تطرحها في السوق، أن ظهور الكتاب الإلكتروني، والنشر على الشبكة، غيّر المعادلة، إذ لم يعد يحتاج القارئ العربي لمعرض حتى يقتني كتاباً أعجبه. لا بل أكثر، يقول جعيّد: "إن وضع كتاب ضمن خانة الممنوعات في بلد ما، يزيد الطلب عليه. على سبيل المثال، باعت الدار 200 نسخة إلكترونية من أحد الكتب مباشرة بعد منعه"! ويضيف أنّ "المنع وسيلة تسويق لدور النشر، فما هو ممنوع مرغوب، واليوم صار من الأسهل اقتناء ما هو ممنوع". ساهمت، مثلاً، إشاعة منع كتاب "الربيع العماني" في معرض مسقط العام الماضي، في نفاذ النسخ الموجودة لدى دار الفارابي منذ الساعات الأولى لافتتاح المعرض.

شهد العام الماضي هموداً كبيراً لحركة الرقابة التي تمارسها معارض الكتاب العربية عادة. فلقد رفعت تونس، من جهتها، الغطاء نهائياً عن الرقابة على الكتب الدينية التي كان يمارسها بن علي خلال حكمه. لكن هذا القرار اقتصر على الكتب الدينية التي كانت عرضة للإبعاد تحت حكم النظام السابق. في "معرض تونس الدولي للكتاب" اليوم، نجد كتب ابن تيميّة، وابن قيّم، وسيّد قطب، ورسائل حسن البنا، من بين كتب أخرى.

الأمر مختلف بالنسبة للمملكة العربية السعودية، فهي تعجز عن الإقرار بأن هذه الوسيلة لم تعد فعالة. تُعرَف المملكة بالرقابة الواسعة التي تمارسها على الإنتاج الفكري والأدبي. كثير من مؤلفات الكتّاب السعوديين لن توجد في الجناح السعودي لمعارض الكتاب عامةً، بل في دور النشر المحيطة!

التعليقات

المقال التالي