الثقافة المصرية: هل تستسلم للعسكر؟

الثقافة المصرية: هل تستسلم للعسكر؟

للمرة الخامسة تم اختيار د.محمد صابر عرب وزيراً للثقافة، ليحقق الرجل رقماً قياسياً في استمراره وزيراً منذ عهد طنطاوي ثم مرسي، وحتى الحكومة الحالية في مصر. بعد أيام فقط من اعتماد تعيينه، كانت أول القرارات التي اعتمدتها الوزارة عودة "عيد الفن" بعد غياب لأكثر من 34 عاماً.

اعلان


عيد الفن، مناسبة درجت الدولة في عهد النظام الناصري على استخدامها لتكريم الفنانين ومنح شرعيتها واعترافها لمن ترضى عنهم. لكن مع تراجع نفوذ سيطرة الدولة المصرية في مجال الثقافة والفن في عهد مبارك، اضمحل العيد واختفى ولم يعد مذكوراً، إلى أن قرر محمد حسني مبارك قبل شهور من ثورة 25 يناير إعادته. القدر لم يمهله واحتاج الأمر ثلاث سنوات ليعود ثانية مع السيسي.

عودة الزومبي

ما نقرأه عن استعدادات احتفالية عيد الفن حالياً، يكاد يشعرنا أن لا علاقة لها بالفن، فبحسب هاني مهنى، رئيس اتحاد النقابات المهنية، سيتم خلال العيد تكريم أسر شهداء الشرطة، وهو تقليد ستشهده الاحتفالية كل عام. أما بقية المكرمين وفقرات الاحتفالية فترد فيها أسماء نجمات، كنادية لطفي وفاتن حمامة، وشادية، ونجاة الصغيرة. الأسماء كلاسيكية ودورها مهم في مسيرة الفن المصري، لكن ما علاقتها بالفن المصري الآن؟

لا يجيب هاني مهنى عندما يُطرح عليه هذا السؤال بل ينفعل ويقول: "البعض سيحاول تصوير الأمر أننا نحتفل بالماضي، لأن الفن المصري يعيش في الماضي وليس لدينا جديد نقدمه. هذا ليس صحيحاً، الفن المصري بخير وهناك عشرات الإبداعات يومياً".

ليس لدى مهنى تفسير مقنع، ربما لأن الأوامر تأتيه من مكان آخر. يوماً بعد يوم، يزداد نفوذ الجيش في المؤسسات الثقافية المصرية. مؤخراً مثلاً، قرر رئيس الوزراء تشكيللجنة صناعة السينما على أن تضم في عضويتها ممثلاً عن وزارة الدفاع. وفي معظم اللجان الرسمية الثقافية التابعة لوزارة الثقافة يتم استثناء وإخراج الشباب واستبدالهم بأسماء محددة يتم استدعاؤها من الماضي شرط أن يكون لديهم ميول محددة.

وزير الثقافة صابر العرب واضح في مواقفه، لا يبذل جهداً لمداراتها، ففي معرض الكتاب الأخير صرح في ندوته الافتتاحية بأنه: "لا وقت للديمقراطية في هذه الظروف التي تمر بها البلاد".

بعودة عيد الفن بهذه الطريقة يكتمل التوجه، فوظيفة الثقافة الآن كما يريدها رجال السيسي لا علاقة لها بالديمقراطية أو التعددية أو الحرية، بل في تحويلها لبروباغندا إعلامية. الثقافة التي يريدها رجال السيسي والمسؤولون في وزارة الثقافة الآن تتمثل في الأوبريتات الغنائية، والاحتفالات التي يتم فيها تجميع نخبة من الفنانين القدامى، مع رموز من الماضي يتم إحيائهم، كالزومبي، ليصطفوا صفاً واحداً يشجبون الإرهاب ويغنون "تسلم الأيادي".

جذور المعركة

تأسست وزارة الثقافة للمرة الأولى في مصر تحت اسم "وزارة الثقافة والإرشاد القومي" وذلك في عهد عبد الناصر. من عنوانها، تبدو مهمتها ودلالتها واضحتين بدمج الثقافة بالإرشاد، حيث مثلت الوزارة أحد أهم أجهزة النظام ذلك الوقت في مجال البروباغندا والتأثير على الرأي العام، وتشكيل وعي النخب المثقفة. ظهرت أولى ثمارها فيما سيعرف بعد ذلك بجيل الستينات، الذي ضم قائمة طويلة بأسماء من الكتاب والمثقفين المصريين.

مع تغير سياسات الدولة المصرية في عهد السادات، بدأت الدولة في رفع يديها عن الوزارة. وبعدما كانت الوزارة في عهد عبد الناصر تحتكر الإنتاج السينمائي والطباعة والنشر، سمحت بعودة القطاع الخاص وانسحبت ببطء من المشهد. لكن مع اغتيال السادات على يد الجماعات الإسلامية المتشددة ووصول مبارك إلى الحكم، تم استدعاء دور وزارة الثقافة في مهمة جديدة.

أدركت الدولة أن المعركة مع الإرهاب لا يمكن خوضها على المستوى الأمني، بل يجب أن تقدم خطاباً ثقافياً آخر مضاداً لخطاب تلك الجماعات، واختارت أن يحمل هذا الخطاب شعار "الإسلام المستنير". النتيجة كانت فتح قاعات المعرض لشيوخ ورموز في الحركات الإسلامية، بداية بالشعراوي وحتى محمد الغزالي، من الذين يُؤمن جانبهم وموالاتهم للسلطة.

في الوقت ذاته تم استدعاء مثقفي الستينات لدعم سياسات وزارة الثقافة. تركت الدولة الفريقين يتصارعان فانتهى الأمر بتكفير الغزالي لفرج فودة واغتياله بعد ذلك. استند الشباب الذين قاموا بعملية الاغتيال في محاكمتهم بفتوى محمد الغزالي بهدردم فودة، التي أطلقها في معرض الكتاب الذي كانت تنظمه الدولة راعية الاستنارة!

فاروق حسنى وزير الثقافة المصري (1987-2011) هو الأسطورة الحقيقية في هذا الجهاز، ليس فقط لمدة خدمته صاحبة الرقم القياسي الأعلى لمنصب وزير، بل لكونه واضع الاستراتيجية الذهبية المعروفة بــ"الحظيرة/ المهرجان".

وسع فاروق حسني من الهيكل الإداري للوزارة وحولها لكيان ضخم أهم أجهزته "هيئة قصور الثقافة" وهي شبكة من المراكز الثقافية تغطي مساحة واسعة من الريف إلى الحضر إلى حلايب وشلاتين، مصممة على الطراز السوفياتي منذ الثقافة المركزية في الستينات.

عام 2008-2009 بلغت ميزانية وزارة الثقافة مليار و446 مليون جنيه مصري (200 مليون دولار) توزع أغلبها على الموظفين البالغ عددهم 90 ألف موظف. في قطاع كالمجلس الأعلى للثقافة يضم مجموعة من اللجان تضم عشرات المثقفين، يفترض مثلاً أن يجتمعوا على فترات لإقرار السياسات الثقافية الرسمية للدولة، لكن الحقيقة أن قراراتهم وتوصياتهم ليس لها سلطة تنفيذية. تبلغ مرتبات العاملين في المجلس وبدل حضور الاجتماعات 14 مليون جنيه مصري (مليوني دولار). هكذا تحولت الوزارة إلى مجالس تصرف المكافآت والمرتبات للمثقفين والنخبة المصرية وتدمجهم داخل جهاز الدولة وعجلة النظام.

أما المهرجانات فهي لتحويل الثقافة المصرية إلى قطعة متحفية أو فلكلورية، إذ يتم عبرها استعراض ما هو متحفي ويعكس الماضي الغابر للتصورات الغربية عن مصر، من التركيز على الجانب الفرعوني حتى أوبرا عايدة، وكل ذلك في محاولة بائسة لخلق هوية افتراضية لمصر عهد مبارك، المرأة المسالمة ذات الرداء الأخضر التي تحب السلام والاستقرار، وتحمل سنبلة القمح تقدمها للرئيس، كما كانت تظهر في رسومات الكاريكاتير والكتب المصورة الفخمة التي تطبعها الوزارة عن مبارك وإنجازاته.

ها قد تعلمنا أنه ليس ثمة ربيع

قفز فاروق حسني من المركب بعد ثورة 25 يناير، واستلم عنه الوزارة عماد الدين أبو غازي. وسط آمال وأحلام الثورة حاول المثقفون وما زال بعضهم يحاول تفكيك وزارة الثقافة وتقديم المبادرات لتخليصها من المركزية وسلطة الدولة، وذلك من خلال تفعيل سلطة "المجلس الأعلى للثقافة" عبر تحويل إدارة مراكزها الثقافية المختلفة إلى الإدارات المحلية، بحيث يمكن أن تستغلها الجماهير للتعبير عن ثقافتها، لا أن تكون مجرد مبانٍ تؤكد على سلطة الدولة في المجال الثقافي، تنشر من خلالها أفكارها الخاصة.

لم تكلل هذه المحاولات بالنجاح حتى تولى د.محمد صابر عرب مسؤولية وزارة الثقافة. ومع كل حكومة جديدة يتم تشكيلها، سواء كانت حكومة عهد طنطاوي أم مرسي أم السيسي، لا يبذل عرب أي جهد في تغيير خطابه "تضافر الجهود والتنسيق بين جميع القطاعات للعمل على استهداف الوعي والمعرفة وجذب جمهور المكتبات والمسرح والموسيقى وتبنّي المواهب وعمل المسابقات". الجديد فقط الذي أعلن عنه صابر عرب منذ أيام مع تجديد اختياره في حكومة محلب، هو وعده بالعمل على حل مشكلة ردم المصرف الصحي الواقع أمام متحف "آدم حنين"!

أما بعيداً عن وزارة الثقافة الرسمية، فمساحة الحرية التي شهدها المجتمع المدني ومنتجو الثقافة المستقلة طوال السنوات الماضية أخذت تتضاءل. الجرافيتي يتم مسحه عن الجدران، وحفلات الفرق المستقلة يتم التضييق عليها بحجج أمنية، وفي معرض الكتاب الأخير تدخل الأمن لإنزال رامي عصام من على المسرح وإلغاء حفله، والمؤسسات الثقافية تتحسس خطواتها بعيداً عن كل ما هو سياسي. حتى الفنانون أنفسهم يعيشون لحظة محيرة، أو كما قالت سارة رفقي مديرة جاليري بيروت في منشورها لافتتاح الموسم الجديد للجاليري: "ها قد تعلمنا أنه ليس ثمة ربيع".

تساهم الأغاني الوطنية الرديئة والبروباغندا الرخيصة في صنع صورة غرائبية نراها في معظم الشاشات المصرية، حيث أطفال يحملون على رؤوسهم حذاء عسكرياً، ورجال من أعمار متباينة يتمرغون في صورة السيسي في ميدان التحرير، وهم يتأوهون: "بنحبك.. بنحبك يا سيسي". لكن لأي بروباغندا فترة صلاحية، وسرعان ما نكتشف، خلف ضباب هذه الهيستريا حول مصر العظيمة والسيسي المنقذ، أنها بلا أي سند واقعي. فالسيسي بجيشه ووزير داخليته ليس قادراً على حماية مقراته من التفجير، والوضع الاقتصادي الذي يعيش على المساعدات والهبات من الدول الخليجية لن يخلق أية تنمية مستدامة، وفي أية لحظة سينهار هذا الستار الإعلامي ومعه البروباغندا الثقافية، فتبدو الحقائق جلية واضحة.

أحمد ناجي

كاتب وصحفي مصري، يعمل في مجال الصحافة الثقافية منذ 2004. صدر له روايتان، روجرز (2007) واستخدام الحياة (2014).

التعليقات

المقال التالي