الفن على أرض المعركة

الفن على أرض المعركة

"كلنا سواسية أمام الهاون”، ففي سوريا يمكن لأيّ كان أن يلاقي الموت بسبب الهاون. أينما كنت، ومهما كانت انتماءاتك السياسية أو الفنية، لن تجد فرقاً. المعهد العالي للموسيقى لم يسلم من الهاون، ودار الأوبرا (الأسد) تعرضت للقصف، من دون أن يمنع ذلك المعهد العالي للموسيقى والمعهد العالي للفنون المسرحية (مؤسستان رسميتان) من مواصلة العمل على قدم وساق.

غير أن المؤسسة الرسمية ونتاجها الفني لا يعبّران حقيقة عمّا يحدث على الصعيد الفني. فقد نشطت ظواهر إبداعية هامشية خارج هذه المؤسسة، وهي لا تخضع لقوانينها بل تمثّل تحدياً حقيقياً للقصف والموت، بالإضافة إلى تحدٍّ نوعيّ ينال من مركزية دمشق الثقافية، والنسق الفني الذي رسخته العاصمة السورية لعقود طويلة.
مخيم اليرموك مثلاً قدّم فرقة "صوت جلجامش التي تبث موسيقاها من تحت الحصار، عبر مزيج من الرّاب والسلامSlam ".  معتمدين على تقنيات بدائية، يعبّر الشباب السوري عن الموت والحصار والجوع، ليكونوا صوتاً حقيقياً يؤكد على استمرار الحياة في المخيم.

ظاهرة أخرى شهدها مخيم اليرموك تمثلت بـ"فرقة شباب اليرموك" الذين قدّموا عدداً من العروض الموسيقية. فالبيانو موجود وسط الخراب، اللقطات والكوادر بدائية، والأصوات تفتقر إلى الاحتراف، لكنها ببساطة "حقيقية". الجوع والبرد ظاهرين على ملامح المؤدين، والأبنية مليئة بآثار الرصاص، لكن هناك إرادة حية تصدح بالموسيقى. 8 أعمال موسيقية قدمتها الفرقة حتى الآن، تصيب المشاهد بالذهول. يقول عبد قبيعة لرصيف 22 "أردنا  إيصال صوتنا للخارج، نحن محاصرون وجائعون، ولا دخل لنا بالصراع الحاصل".

أسس الأخوان ملص من جهتهما منذ عدة سنوات "مسرح الغرفة". تطورت الغرفة لتتحول إلى ظاهرة معروفة، يبث عبرها محمد وأحمد ملص مسرحياتهما عن طريق "Skype". على حد تعبيرهما: "في زحمة الدم والقتل، وعدم توفر دعم مادي للمشاريع الفنية، كانت ظاهرة مسرح الغرفة محاولة كي تبقى التجارب المستقلة على قيد الحياة، كي نصرخ من غرفنا في كل أنحاء العالم بآرائنا وما نريده لسوريا الجديدة، دون أن يكون هناك رقيب".

بلغت نشاطات الفرقة 9 عروض قصيرة تم بثها من غرف مختلفة في أنحاء العالم، 3 منها داخل سوريا (حمص، دمشق، وريف دمشق) تحاول أن تنقل ما يحدث عبر مسرحيات متاحة للجميع. تحولت الغرف من ملجأ وملاذ إلى مسرح قادر على نقل الأوضاع داخل سوريا بصورة بعيدة عن المبالغة والتوجيه السياسي. يوضح الأخوان ملص هذا الأمر بالقول "الغرف في سوريا واجهت صعوبات عروض الداخل، كان بعضها بوجوه مختبئة وراء قناع وكأننا في عالم كوميديا ديلارتي Commedia dell'arte"

إلى جانب ذلك، وسط العاصمة دمشق، قدم الممثل والمخرج الشاب عمر بقبوق عدداً من العروض المسرحية التي اتسمت بصيغة مغايرة، كعروض "التجهيز، عروض المنبر"، عرض "مجتمع"، تم عرض "FB Syrialism" حيث يستعيد العديد من منشورات وفيديوهات الفيسبوك، ويعلق عليها بسخرية، بغض النظر عن مصدرها، أكانت من النظام أم المعارضة.

العرض على جانب كبير من الجرأة، واستغرب بعض من الجمهور السماح لعمر بقبوق بتقديم عرض مشابه وسط العاصمة دمشق. يقول بقبوق لرصيف 22 "حاولت أن أسبر الأزمة عبر تعليقات ومواقف الناس البسيطين والمهمشين، وما يعبرون عنه عبر صفحاتهم على فيسبوك. لجأت إلى المكان البديل في عرض هذه التجارب لصعوبة الحصول على الموافقات من  مديرية المسارح أو إدارة المعهد العالي للفنون المسرحية".

تجربة أغرب قدمها المخرج الشاب كفاح زيني، حينما عرض "كونشيرتو الرصاص" الذي أداه كلّ من مضر الزرزوري ولجين مصطفى. أداء معاصر اعتمد على الرقص، التمثيل، الحوار، والتفاعل مع الجمهور،  ليشير إلى "تسليع" الإنسان وتحويله إلى منتَج يكتسب قيمته من تبادل صورته على شاشات الإعلام. يعرض الأداء جثثاً في مزاد، ويمكن للجمهور اقتناء الجثة - الراقص الذي يريد، واستخدامه كيفما يشاء. يصف زيني التجربة بأنها "محاولة للخروج عن قيود المسرح في سبيل تقديم فكرة أكثر حداثة متمثلة بفنون الأداء، وإعادة التعامل مع الجسد بصورة أكثر حيوية وفعالية. العرض كان محاولة لتوريط الجمهور في اللعبة المسرحية ودفعهم للتفاعل".

عمّار المأمون

صحافي سوري مساهم في عدد من الصحف والمجلات العربية، حاصل على ماجستير في الإعلام وليسانس نقد ودراسات مسرحية.

التعليقات

المقال التالي