لحظة مسروقة من المهرجان المسروق

لحظة مسروقة من المهرجان المسروق

كان مهرجان دمشق السينمائي فرصة لكي يمد السينمائيون رؤوسهم في هذه البلاد التي تم قتل السينما فيها بشكل ممنهج مدروس، وليس عن غباء في إدارة البلاد كما قد يعتقد البعض... فالسينما خطر، بل هي من أكبر الأخطار على سلطة جاءت عن طريق القوة، وحكمت بالحديد والنار. لذلك جاء  قرار حصر استيراد الأفلام بالمؤسسة العامة للسينما بداية الثمانينات وسط زحمة حرب الشوارع،  ومرّ دون أن تثار حوله أية ضجة، وبالتالي بات من غير الممكن لدور السينما أن تستورد الأفلام من خارج سوريا، فصارت دور السينما مرتعاً للزعران والمراهقين والعساكر واللصوص والأفلام التي أكل عليها الدهر وشرب مطعمةً ببعض مقاطع من السيكس الرخيص لجذب الجمهور (الذكوري) طبعاً، لتنخفض القيمة الاجتماعية لدور السينما رويداً رويداً حتى تصل إلى درك سفلي صعب الخروج منه، وصعب على أي فتاة أو امرأة الدخول إليه.

ولمن يعرف السينما وقيمتها لدى الناس في سوريا حتى أواخر السبعينات من القرن الذي مضى، سيعرف ما الذي فعلته السلطة بهذه الفسحة التي كانت تجمع كل عائلات المدن والقرى وشبانها وفتياتها حول طقس بصري راقٍ. كان القبح هدفاً من أهداف النظام، كان سلاحه لإفراغ طاقة الكراهية التي يمتلكها ضد الناس، لذلك جردهم من كل ما هو جميل، وقدَّم لهم المؤسسات القبيحة، والدوائر القبيحة، والمنظمات القبيحة، والاتحادات القبيحة، والنقابات القبيحة، والأفران القبيحة.

ومن إحدى قبائح هذا النظام كانت المؤسسة العامة للسينما بحلتها الجديدة بداية حقبة الثمانينات، فلقد صار إنتاج السينما يستلزم وقوف المخرجين على الدور في طابور طويل يضم شيوخ السينما وكهولها وشبانها بمشاريعهم من أفلام طويلة وقصيرة ووثائقية وروائية، فالشركات الخاصة توقفت عن الإنتاج بسبب تردي وضع دور السينما، وصارت السلطة هي الآمر الناهي بشأن الإنتاج السينمائي عبر ذراعها البيروقراطية التي تسمى بالمؤسسة العامة للسينما، وضمن هذه الظروف كان الجمهور المتعطش للسينما على موعد كل عامين مع مهرجان دمشق السينمائي كي يشاهدوا البعض القليل جداً جداً مما يتم إنتاجه سينمائياً في العالم، إضافة إلى تلك الفسحة التي تدعى بالتظاهرات، وفيها يشاهد أبناء الجيل الجديد ما فاتهم من روائع السينما العالمية.

كان جمهور المهرجان السينمائي ينقسم إلى عدة فئات، أجملهم قسم الجمهور السينمائي الحقيقي الذي يتشكل من شباب وفتيات الجيل الجديد الذين يتراكضون طيلة فترات المهرجان من دار سينما إلى أخرى لمشاهدة أكبر كم من الأفلام في زمن قياسي كي يمتلئوا بها طيلة عامين، وهذه الفئة عادة ما تدفع ثمن البطاقات أيضاً رغم أن معظمهم من طلاب الجامعات، في حين يتشكل جمهور الافتتاح من نوعيات أخرى من البشر تكاد لا تشاهد معظمهم أثناء العروض السينمائية باقي الأيام، فهؤلاء جمهور الافتتاح فقط، إنهم المفضلون الذين استطاعوا الحصول على البطاقات الخاصة بحفل الافتتاح بواسطة نفوذ ما، ويشكل أقرباء مدير المؤسسة وموظفوها ثلث جمهور حفل الافتتاح على الأقل، بينما تشكل عائلات الوزراء والضباط والمسؤولين والمتنفذين والأغنياء الثلث الثاني، وبالطبع فهم لا يأتون حباً بالسينما، وإنما لمشاهدة النجوم المصريين والسوريين شخصياً والتعرف إليهم ودعوتهم إلى السهرات والتقاط الصور معهم، أما الثلث الثالث فهم المدعوون من ممثلين عالميين وعرب ومحليين وصحفيين ومثقفين وسينمائيين، وممن تسنى لهم الحصول على بطاقة من المتابعين.

download (2)

بعد الافتتاح يدور فيلم آخر في ربوع شارع  فندق الشام وسط المدينة حيث يقيم المدعوون، فالفندق محاط طيلة الأسبوع السينمائي بحراسة مشددة يمنع فيها دخول أي كان إليه، فترى الجماهير من (الرعاع) الممنوعين من الدخول تنتظر أمام باب الفندق خروج حسين فهمي أو فاروق الفيشاوي أو إلهام شاهين أو آثار الحكيم من الفندق باتجاه السيارة التي ستقلهم إلى مكان ما كي تبارك أنظارها بمرآها ولو من على بعد أمتار، لأن الاقتراب منهم ممنوع، وينتهي الهرج بانطلاق السيارة، وينفض القوم بربع دقيقة، لكن المصيبة الكبرى هي عندما يجلس نجم من النجوم في كافيتريا فندق الشام قرب الزجاج المطل على الشارع لإجراء مقابلة صحفية، فالرعاع  حينها يتكاثرون، ويبدأون بلصق وجوههم على الزجاج متابعين المقابلة بدهشة منقطعة النظير، حتى يأتي حارس الفندق ويقوم بطردهم، فيشتمونه بأمه وأخته وهم ينتقلون إلى الرصيف الآخر، ويتوعدهم ويهددهم بدوره، بل ويضطر إلى ملاحقتهم تاركاً الباب دون حراسة فينسل العديد من الرعاع إلى داخل الفندق ويتمشون في الأروقة كمدعوين، وسعيد الحظ من هؤلاء المندسين هو من يمتلك كاميرا رخيصة معه من ماركة كوداك، وسعرها أربع دولارات فقط لا غير، فبهذه الكاميرا سيلتقط الصور مع ميرفت أمين، وسيأخذ بوزاً جهنمياً بجانب إلهام شاهين، وسيعلق صورة بعد تكبيرها وبروزتها على جدار بيت أهله تجمعه مع محمود حميدة أو محمود عبد العزيز، أو ربما بآن معاً مع المحمودَين، وسيحكي لزوار بيتهم الكرام عن تلك الصداقة العميقة التي تربطه بهؤلاء النجوم، وسيتحدث بالمصرية عندما ينقل لهم شيئاً مما قاله له المحمودان، كل ذلك بفضل لحظة سرقها من ضجيج المهرجان المسروق أصلاً.

التعليقات

المقال التالي