نزهة صوتية في الإسكندرية

نزهة صوتية في الإسكندرية

يستقبل "موقع مشروع شوارع الإسكندرية" المتصفح بخريطة صوتية لمدينة الإسكندرية. على يسار الخريطة مجموعة أولى من التصنيفات النوعية (الفضاء، السيناريو، الموسيقى)، ومجموعة ثانية من التصنيفات الزمنية (المستقبل، الحاضر، الماضي). تعمل هذه التصنيفات كطبقات للخريطة الصوتية المعروضة، فتعرض المواد الصوتية المسجّلة من التصنيفات المختارة في أماكن معينة في الخريطة.

بحسب منفذتَي المشروع، بيريت شوك Berit Schuck وجوليا تيكة Julia Tieke، فإن الموقع جزء من مشروع إذاعي وصوتيّ فني كامل يتضمّن بالإضافة للخريطة الصوتية إقامة ورش تدريب عملية، وتنظيم حلقات استماع عامة مع سكان ومتطوعين من المدينة. المواد التسجيلية المتناثرة فوق الخريطة هي جزء من هذا الفعل الاستماعي، ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالمكان. عناوينها أحيانًا تتصل بشكل وثيق بشوارع محددة معروفة: شارع خالد سعيد، شارع رالل، شارع 555، الكورنيش، المنطقة الصناعية. لكنّها لا تكتفي بعرض الأمكنة فقط، بل تذهب أبعد، لتروي قصصاً للشخص المسجّل معه، محاولة جعلها جزءًا من تاريخ المكان في الحاضر القريب، والماضي البعيد، وصولاً إلى المرغوب حدوثه في المستقبل.

هكذا يتنقل متصفح الموقع من شارع لآخر في اسكندرية. يستمع لمقابلات مع ناشطين يصفون ما حدث في مصر قبل ثورة 25 يناير وبعدها، أو ينصت للفوضى الصوتية  اليومية المعتادة في مواد تسجّل صوت الشارع، أو ينضم إلى صحافية أثناء تنفيذها لسيناريو مرسوم مسبقًا، ولا تكتفي التسجيلات بنمط المقابلات بل تعيد صياغتها في مونتاج يدخل بعض الموسيقى الاسكندرية مع ترجمة إنكليزية.

هبة مثلًا تبحث عن كتاب في شارع النبي دانيال، الذي اقتلعت الشرطة بعضًا من أكشاكه الشهيرة التي تبيع الكتب، متبعةً سيناريو بحث ذريعة لاستعادة تاريخ الشارع البعيد والقريب وارتجاع الأحداث التي عصفت به. أما ماهينور فتستعيد لحظات حاسمة من الثورة المصرية على نظام مبارك التي بدأت إرهاصاتها قبل تعذيب وقتل خالد سعيد مع محاولات إنقاذ المنازل القديمة وصولًأ إلى استعادة المساحة العامة عبر كسر حاجز الخوف والتظاهر. وفي ميدان سمّوحة نستعيد مطاردة الطلاب وسكان الإسكندرية بالقنابل المسيلة للدموع .

لا ترتبط جميع هذه التسجيلات بالحدث السياسي. يفرد المشروع المساحة أيضًا  لشهادات عن أماكن في المدينة، ومطالب معيشية سابقة للثورة، فيوضّح محمدتوقعاته المرتبطة بمستقبل طريق الإسكندرية الرئيسي، وينطلق من توضيحاته ليناقش تحكم السيارات بعلاقة المدينة بالبحر. أحيانًا أخرى، يجد المستمع نفسه يستمع لمحتوى لا يرتبط  مباشرة بأحداث العامين الماضيين، فيكتشف الأحياء الفقيرة والغنية على طول خطوط الترام، أو يجد نفسه أمام قاعة سينما اللاجيتيه المشهورة منذ الستينيات أو في شارع 555، حيث يستعيد لأهل منطقة فيكتوريا الأيام التي كانوا يرون فيها البحر من بيوتهم. بالإضافة إلى كل هذا، يبقى نوع أخير من التسجيلات التي تقابل شخصيات تعمل في المجال الثقافي والفني تعيد إنتاج صورتها الخاصة عن المدينة عبر الأعمال الفنية التي تنتجها.

في الإجمال، يحاول المشروع تثمير حالة اللقاء هذه بين المستمع والمادة ليجعلها أكثر إنتاجية، فيدعو الراغبين بالمساعدة والمشاركة للاتصال بهم، شارحًا نطاق المساعدات، كالاشتراك في إجراء المقابلات الشخصية والتطوع للعب دور الدليل في الشارع. ولهذا الهدف أيضًا، وعلى الحدود المتاخمة للفكرة الأساسية في الموقع، يوفر المشروع مساعدات استشارية لكل من يعمل على أعمال صوتية على اختلاف أنواعها، محفّزًا إياهم على إنتاج مثل هذه المواد، وموفرًا لهم الدعم والملاحظات عبر مقابلات متخصّصة، وكان من نتاج هذه المساعدات إقامة ورشة عمل في اكتوبر/ 2012، دعي إليها صُنّاع الإذاعات المستقلة وصحافيون من الإسكندرية تحت عنوان: أكاديمية الإذاعة الصغيرة.

يكتب الموقع تحت تسجيل “شؤون خارجية – مقهى فراوس في الأنفوشي" "كان يا ما كان فيه مكان للسفن والبضائع من جميع أنحاء العاﻟﻢ، ميناء الإسكندرية القدﻳمة أصبح الآن مكانا لاتخاذ القرارات وللذكريات المفقودة وقصص عن أول رحلة لنهاية العاﻟﻢ". الإسكندرية في المحصلة سراب على ألسنة سكان يستلهمون أساطير مدينة ألفها كتاب وشعراء، والمشروع هنا يحاول تشييء هذا السراب.

يحاول الثنائي بيريت وجوليا تكملة هذه التجربة، فتعملان على مشروع برنامج حواري إذاعي تجريبي يلاحق الصلات الخفيّة بين الإسكندرية ومراكش. وستعمدان أيضًا إلى إنشاء خريطة صوتية جديدة لمدينة عربية أخرى. هذه المرة، رسى خيارهما على... بيروت.

نشر على الموقع في تاريخ 5.12.2013

التعليقات

المقال التالي