ناتالي... والبحث عن الرقة

ناتالي... والبحث عن الرقة

"الرقة، هي الرهافة والنعومة الفائقة، وهي حال من يكون رقيقاً أو لطيفاً، والشخص الرقيق هو الذي يُظهر نوعاً من الحساسية الشديدة، أو الذوق الرفيع، وهو الشخص المرهف الحس والنباهة". هذه هي المعاني التي يوردها ديفيد فوينيكوس david Foenkinos في أحد الفصول عن كلمة "الرقة" التي اختارها لتكون عنوان روايته.

اعلان


أما "ناتالي" التي اختارها لتكون بطلته، فهي شابة متحفظة وجميلة، تحب الضحك والقراءة، تلتقي بفرنسوا مصادفة في الشارع، وسرعان ما ينجذبان لبعضهما وتتطور علاقتهما منتهيةً بزواج يستمر لسنوات، يتنعمان فيها بسعادة فائقة، تُقلق ناتالي وتجعلها متطيرة من خطر وقوع مصيبة ما "كان إحساساً غامضاً، لم يكن هناك شيء ملموس بل فقط مجرد شعور عابر، لكنها مع ذلك أحست به، من خلال التفاصيل والابتسامات التي كانت بالكاد ملحوظة".

لا يلبث حدس الأنثى أن يصيب، إذ تدهس سيارة "فرنسوا" أثناء ممارسته لرياضة الجري، مما يقلب كل الأمور رأساً على عقب في حياة ناتالي التي تعيش أسابيع طويلة وهي تتخيّل الحياة اليومية كما لو أن زوجها لم يمت. يُدخل الكاتب هنا شخصية جديدة على السرد، ما هي إلا "شارلوت" الفتاة التي اصطدمت بفرنسوا وتسببت بموته، ليُظهر أثر المصادفة في حياة الفرد، إذ لولا المصادفة لما عملت شارلوت أصلاً في بيع الأزهار، ولولا المصادفة لما ذهبت هي لتوصيل الأزهار بدلاً من الشخص المسؤول، ولما تسببت في مقتل أحدهم. يغوص فوينيكوس إلى أعماق هذه الشخصية في فصل واحد يتيم في روايته، ليسرد الآثار النفسية التي يتركها حادث ما على الإنسان، وكيف يمكن ليوم عادي أن يتحوّل خلال لحظات إلى يوم استثنائي محوّلاً بدوره حيوات مجموعة من الأشخاص إلى حيوات مختلفة.

يحاول مدير ناتالي "شارل" التقرّب منها، ساعياً إلى جذبها والفوز بحبها، مستفيداً من لحظات وجعها ووحدتها، لكن طريقته في إغوائها وافتقاده الرقة التي كانت ناتالي بأمس الحاجة إليها، تدفعها لتنفر منه.

مرة جديدة، يطرح الروائي فكرة كيف يمكن لحدث ما أن يقلب حياة الأشخاص إلى حياة مختلفة، فحياة ناتالي ستتخذ منحى آخر بعد دخول ماركوس إلى مكتبها، في اللحظة نفسها التي كانت تفكر فيها بمعنى عبارة "الانفصال عن الذكريات"، فلا يكون منها إلا أن تتقدم باتجاهه وتقبله.

"راحت تقبّله بعنف، قبلة طويلة قوية، كما يفعل المراهقون، ثم تراجعت وهي تقول "بخصوص الملف 114 سنرى ذلك فيما بعد"، فتحت الباب وطلبت من ماركوس الخروج". بعد هذه القبلة ستجد نفسها يوماً بعد يوم غارقة في حب ماركوس، الشاب السويدي الرقيق، رغم أنه لا يتمتع بأي نوع من أنواع الجاذبية. بدورها أيضاً، حياة ماركوس ستتغير وتتبدل، وهو الرجل الذي قرر بعد تجاربه العاطفية الفاشلة أن يدرب نفسه على قبول الاستغناء عن المرأة. "بإمكانه الاستغناء عن المرأة، كان لا يفتأ يردد ذلك لطمأنة نفسه، كي لا يفكر إلى أي درجة كان تعيساً بوضعه هذا. يحلم بجسد أنثوي، ويصعب عليه أحياناً القول إنه كان محرّماً عليه، الدخول إلى عالم الجمال".

يتناول الكاتب في روايته العلاقات الإنسانية، فيحللها بطريقة رقيقة عميقة، وصادقة. هنا يكمن سرّ جمال الرواية، إذ يضع شخصياته في تحدّ صعب، موضحاً كيف يتصرف كل منهم تجاه علاقته بالآخرين.

يفضل فوينيكوس استخدام فصول قصيرة، يقطع بها السرد ويضمّنها معلومات حقيقية، كالمعلومات الجغرافية والتاريخية، أو نتائج بعض المباريات الرياضية... وربما يضمّنها معلومات حول مقادير طعام معيّن، أو مقطع من كتاب أو أغنية. يؤكد مجدداً على دور المصادفة في الحياة، وعلى أهمية التفاصيل الصغيرة التي تشكّل إنسانيتنا وإنسانية شخصياته.

الجدير بالذكر أن هذه الرواية تحولت إلى فيلم عام 2011 بعنوان "الرقة” La délicatesse، من بطولة  أودري توتو Audrey Tautou.

ديفيد فوينيكوس كاتب فرنسي، من مواليد 1974، يكتب الرواية والسيناريو. ترجم له إلى العربية إضافة إلى هذه الرواية، رواية "الطاقة الإيروسية لزوجتي".

download (3)

فايز علام

فايز علام كاتب سوري يعمل محرراً وعضواً في لجان القراءة في عدد من دور النشر. مهتم بالشأن الثقافي وبصناعة النشر في العالم العربي. يعدّ حالياً بحثاً عن الرواية العربية ويكتب بشكل مستمر لرصيف22.

التعليقات

المقال التالي