الأوسكار في بلد يحرّم السينما

الأوسكار في بلد يحرّم السينما

"يا ابني عيب استحي على نفسك... كل يوم تتفرج أفلام دور لنفسك شي ينفعك"، "لو بتشوف مذاكرتك زي ما تشوف الأفلام كان فاتك فلحت". من الطبيعي أن تستمع لهذه العبارات إن كنت من سكان اليمن، البلد الذي يجاور دول الخليج العربي ولا يشبهها.

ذلك البلد الذي يحد الجزيرة العربية من جنوبها كان زاخراً بالفن والثقافة، لكنه في غفلة من الزمان، تحولت دور السينما فيه إلى مساجد وصالات للأعراس، وارتبطت زيارة ما تبقى من دور السينما في المنطق الشعبوي بمن يصنفون كـ "شواذ جنسياً وصعاليك، أو من لا يجدون مأوى". من تلك الدور بقيت بعضها ملتزمة بمستوى عروضها، وظلت تصارع طويلاً حتى تستمر، بينما حوّل قسماً منها صالاته إلى مسرح مفتوح خلال فترة الأعياد لجذب الناس وتحقيق الربح بدل الخسائر والديون المتراكمة.

اعلان


لم يكن هذا هو حال دور السينما في سبعينيات القرن الماضي، العصر الذهبي لازدهار السينما في اليمن والتي يعود تاريخ تبنيها إلى العام 1918. بلغ عدد دور السينما أواسط السبعينيات نحو 49، قبل أن تتراجع خلال التسعينيات ويبقى منها فقط 3: واحدة في صنعاء، واثنتان في عدن تعملان بشكل موسمي. صالات سينما "النجاح"، "حدة"، "هَريكن"، "الحرية"، "23 يوليو"، "المنتزه"، "بلقيس"... كانت عامرة بالعروض السينمائية والفنية. “فمن مدينة عدن عاصمة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية آنذاك، إلى مدينة تعز التي كانت تتبع الجمهورية العربية  اليمنية، إلى مدينة الحديدة بقيت السينما حية ونشطة” بحسب ما تقوله أروى عثمان، الناشطة في مجال إحياء التراث لرصيف 22.

"كانت سبعينيات القرن الماضي حافلة بالفن والثقافة والفكر، بالحرية والانطلاق والجرأة، ولو استمرت حركة التطور تلك، كيف كانت ستكون حياتنا الآن؟ في ظل هذا التردي، وهذا الانحسار المخيف والمخجل لحياة عصرية مدنية، كم يلزمنا من الزمن كي نسترد لحظة من لحظات المدنية في السبعينيات؟ كم يلزمنا من جلد الذات لما اقترفناه ضد الفن السابع، ضد غنائنا ورقصنا، ضد إنسانيتنا التي تخلينا عنها في غمضة عين تحت مبررات الجنة والنار، والتقاليد” تضيف.

ليست أروى وحدها من يبكي حال السينما في اليمن اليوم، فيحيى إبراهيم، ممثل وفنان يمني، يرجح من جهته أن السبب الرئيسي في اغتيال السينما "هو الإهمال من قبل الجهات الرسمية، ويتمثل ذلك في عدم وجود صالات عرض، إضافة إلى تراجع ذهنية أهل اليمن وانحدارها من عقلية متذوقة للفن إلى عقلية ترى السينما مكاناً لا يزوره الشرفاء”. ويضيف يحيى "في بداية الأمر كانت الأسر اليمينة تزور السينما بصحبة أفراد العائلة، لكن اليوم لا يوجد من ذلك شيء".

رغم الحال المحزنة التي وصلت إليها دور السينما اليمنية، لا يزال هناك محاولات لإحياء التجربة السينمائية اليمنية، ولو على استحياء. فيلم "يوم جديد في صنعاء القديمة"، أنتجَ عام 2005، وحاز على جائزة مهرجان القاهرة السينمائي الدولي لأفضل فيلم عربي، وهو أول فيلم يمني يعرض في مهرجان كان (Cannes (2008. أخرج فضل العلفي كذلك فيلم "الرهان الخاسر"، وهو فيلم حكومي أنتجته وزارة الداخلية للتحذير من خطر الجماعات الدينية المسلحة.

لقد ساهمت مجموعة من الهواة في إنتاج أفلام قصيرة شاركت في مهرجان دبي السينمائي، كفيلم "أسوار خفية" و"أبوي نائم"، وحققت التجارب الشابة التميز من خلال ترشح بعضها إلى جائزة "أكاديمية فنون وعلوم الصور المتحركة الأوسكار" عن فئة الفيلم الوثائقي. تجربة "ليس للكرامة جدران" الوثائقية تحكي قصة ما حدث في "مجزرة جمعة الكرامة" عام 2011 ، وقد تأهل ضمن ثمانية أفلام أخرى للفوز بجائزة الأوسكار عن فئة الأفلام الوثائقية القصيرة.

يقول أمين الغابري، مصور الفيلم، موضحاً خصوصية التجربة أنه شكّل "تحدياً بالنسبة لنا لأننا قمنا بصناعته في ظروف صعبة وبإمكانيات بسيطة، لكن كانت العزيمة أقوى من كل الظروف”. أبرز العوائق كانت اضطرار فريق الفيلم للتصوير في وقت كان يتم فيه استهداف المصورين بشكل مباشر. “كنا نعلم كم من زملاء مصورين أصيبوا أو قُتلوا خلال الأحداث” يقول. الآن وقد وصلت اليمن للمرة الأولى في تاريخها إلى جائزة الأوسكار، يأمل أمين الغابري في “أن يتوج هذا النجاح بالفوز، لإيصال رسالة قوية للعالم بأن الشباب اليمني حاضر وبقوة في جميع المجالات".

من جانبها قالت المخرجة سارة إسحاق في تصريح لها على "بي بي سي" BBC إن أحداث "جمعة الكرامة" التي قتل فيها العشرات وجرح المئات، تعتبر نقطة تحول في مسار الثورة اليمنية. يصور هذا الفيلم الوثائقي أعمال العنف التي جرت في ساحة التغيير في صنعاء خلال المظاهرات من منظور ضحايا الاعتداء المسلح وأسرهم. وتضيف سارة لرصيف 22 "شاهدت كيف تغيرت نظرة الكثيرين من الذين كانوا غير مبالين بأحداث الثورة، منهم أسرتي، بعد أن شاهدوا ما حدث للمتظاهرين السلميين في جمعة الكرامة، وكيف استمروا بمطالبهم السلمية رغم كل ما حدث لهم". ترى سارة أن هذه الأحداث أعطت الثورة أهمية ومصداقية، وأرغمت الكثيرين على مراجعة مواقفهم واختياراتهم.

وكان الفيلم قد ترشح لجائزة الأوسكار بعد عرضه في مهرجان "أدندوكس" Edindocs ببريطانيا. نالت سارة درجة ماجستير في الإخراج من جامعة "أدنبرة" Edinburgh ورغبت في العودة لليمن من أجل تصوير مشروع تخرجها، الذي فاز بجائزة المهرجان، ليصبح بعدها مؤهلاً للحصول على فرصة التقديم للأوسكار عن فئة الأفلام الوثائقية.

رغم ظروف شديدة القسوة، تستمر التجارب والمحاولات الشاقة في إنتاج أعمال فنية  تتحدى الإرهاب والتطرف، لتعيد مجد السينما إلى إحدى حاضناتها الأولى في الشرق الأوسط، اليمن.

التعليقات

المقال التالي