"شباب اليرموك" وصلوا ناقصين إلى باريس

"شباب اليرموك" وصلوا ناقصين إلى باريس

شخص واحد، فقط، خرج من الصالة بعد انتهاء العرض، مساء الثلاثاء الماضي. البقية ظلوا جالسين في مقاعدهم في انتظار أن يصعد إلى المنصّة المخرج الفرنسي الشاب الذي جلب مخيم اليرموك، بوجعه وجوعه، معه إلى باريس. حينما تكون فلسطين حاضرة هنا، فإن ما يحضر معها ليس عدداً من الكفيّات بالأبيض والأسود فحسب، بل تساؤلات كثيرة أيضاً، ورغبات في مسح الغبش عن كثير مما "لا يمكن فهمه". وفي حال كان الحديث عن فلسطينيّي سوريا، كما هو حال الوثائقي "شباب اليرموك" (70 دقيقة، 2012)، فإن هذه التساؤلات والرغبات تتضاعف، اليوم، في الوقت الذي يموت فيه اليرموكيّون جوعاً تحت الحصار الذي يفرضه النظام السوري.

اعلان


الفيلم الذي وصل باريس (لعرض واحد فقط) بعد أن دار عدداً لا بأس به من المهرجانات والعواصم، وصلها "ناقصاً" واحداً من شبابه: حسان حسان، المسرحي الشاب الذي استشهد قبل ثلاثة أسابيع تحت التعذيب في المعتقل، تاركاً وراءه أحلامه ومنزلاً صغيراً بناه، له ولزوجته وعد، على سطح بيت أهله، كما يقول هو بنفسه في الشريط. هذا هو الخبر الصادم الذي لم ينتظر الجمهور الباريسي سماعه من المخرج أكسل سيلفاتوري سانز Axel Salvatori-Sinz بعد أن سُئل، من قبل إحدى الحاضرات، عما حلّ بشخوص فيلمه.

بدا حسان، في الشريط، أكثر تعلقاً بالمخيم وأقل أملاً بالهجرة من علاء وسامر وتسنيم. ما يعنيه في هذه البقعة الفقيرة من دمشق والمزدحمة بالناس والأحلام والأصحن اللاقطة ليس فقط حبه وجنونه بها، وليس فقط حلمه بأن ينتج ويعرض فيها عملاً مسرحياً واحداً كل عام، بل أيضاً حبيبته وعد، التي لا يدفعها إلى البقاء في المخيم سوى حبيبها، كما تقول في أحد المشاهد.

أما تسنيم، فإن حبيبها، أليسيو، الذي لا نعرف عنه شيئاً سوى اسمه، هو، على عكس وعد وحبيبها، طريقها ووسيلتها إلى الخروج من المخيم الذي تعتقد أنه قبيح وأن الناس يجملونه بمديحهم إياه.

download

علاء وسامر يتقاسمان، بدورهما، الرغبة القوية في التهرّب من الخدمة العسكرية والخروج ليس من اليرموك فحسب، بل ومن هذه الرقعة في العالم تماماً. بعد محاولات كثيرة، سيفشل سامر في التخلّف عن الجيش الذي سيلتحق به، في النهاية، منكسراً هو وحلمه بالخروج مع حبيبته سيلين إلى أوروبا. أما علاء، فسينجح في الوصول إلى تشيلي للدراسة في معهد للسينما هناك.

كل هذا يجري بدءاً من 2009، لينتهي صيف 2011، بعد ثمانية أشهر من انطلاق الانتفاضة السورية. قصص الشباب، وهروب غالبيتهم (باستثناء حسان) من فجاجة الواقع، وقسوته، يمكن النظر إليها بوصفها واحدة من تمهيدات هذه الانتفاضة التي منحت الفيلم قيمة مضاعفة و"مصداقية" توثيقية عالية.

هي قصص من لحم ودم، داخل الكادر السينمائي وخارجه. هذه المرارة والقسوة، وهذه الراهنية المؤلمة إذ تتماثل وتتكامل بين الواقع والشاشة، تدفع إلى القول إن "شباب اليرموك" أدى مهمته، كشريط وثائقي، على أكمل وجه، رغم بساطة أدواته التقنية.

يمكن القول إن الصحبة التي وُلدت بين المخرج وشخوصه، طيلة 7 سنوات من إقامته في سوريا، كانت كفيلة بأن تمنح الأول مقدرة التقاط أكثر التفاصيل حميمية وحملاً للمعاني بالنسبة إلى تلك "الشلة" من الأصدقاء. ويسهل الاعتقاد، لوهلة، أن هذا الذي يحمل الكاميرا ويصور "الشباب" هو فلسطيني أو سوري، عاش على أسطح المخيم، وقضى وقتاً لا بأس فيه من حياته في نقاشات حادة تدور هناك غير بعيد عن "حميماتي" يشغل سطحاً مجاوراً.

download (1)

هذه العلاقة الوطيدة مع الشخوص، أراحت المخرج الشاب كما يبدو، وأتاحت له تجاوز بنائية القصص وأساسيات صنع الفيلم الأول، إلى محاولات جمالية تتمثل في أكثر من أداة وطريقة تعبيرية. إذ يحسب له تعدّيه "المدرسية" المفترضة بالفيلم الأول إلى التجريب في بعض الكوادر، كمشهد حديث حسان عن المخيم: إذ يتوسط المسرحي الشاب الشاشة، في كادر قاس سينمائياً وجمالياً، ليصف علاقته بهذه المكان وأحلامه فيه، فيما يشبه اعترافاً أو محاكمة ذاتية يقف فيها المخرج الفرنسي على الحياد. كما أن تسامح سيلفاتوري أنزي مع فكرة ورود اسمه، عدة مرات، في الشريط، كمخرج يطلب من شخوصه فعل هذه الحركة أو كتابة تلك الرسالة، منحت الأخير نقاطاً إضافية في لعبته على الراهن التي يبدو أنه كسبها مع الجمهور الباريسي على الأقل.

علاوة على هذا وذاك، يحمّل المخرج فيلمه طاقة رمزية عالية، يقول من ورائها ما قد لا يمكن قوله في فيلم وثائقي تقل فيه الأدوات التعبيرية الشخصية على حساب الواقع وقصص الشخوص. وتشير هذه الرمزية إلى فهم المخرج الشاب أحوال شخوصه وقصصهم في عمقها، كما هو الحال مع المشهد الافتتاحي: حيث الشباب يلعبون الورق، فيما يشبه رهاناً على المجهول يسعى كل واحد منهم إليه من دون أن يكون واثقاً من نيله. غير أن تكرار هذه المحاولات للترميز، ولتقويل المشاهد أو الشخصيات ما لا تقوله، يوقع الفيلم في التصنع، كما هو الحال مع مشهد الدراجة الهوائية القديمة أمام سامر المحاصر بخيبته، في مشهد يبدو أقرب إلى الفوتوغراف الفني الثابت منه إلى الكادر السينمائي.

يشيع الاعتقاد بأن مدة التصوير الطويلة تعود بمآلات سيئة على النسخة الأخيرة من الشريط الوثائقي. لكنّ هذا لا ينطبق على "شباب اليرموك"، رغم دوران كاميراه طيلة أربع سنوات. بالتأكيد، يلعب المخرج الدور الأكبر في التخفيف من هذه المآلات، بل في تحويلها إلى نقاط إيجابية لصالح الشريط. غير أنه لا يمكن، بكل تأكيد، تجاوز دور الواقع ودوره (المؤلم) في إنضاج القصص على نحو دراماتيكي "يليق" بهذه البقعة الحزينة والفقيرة والمحاصرة من العالم.

التعليقات

المقال التالي