السينما العربية، حاضرة وغائبة عالمياً!

السينما العربية، حاضرة وغائبة عالمياً!

تبدو السينما العربية اليوم، رغم أصالتها النسبية بالمقارنة مع نظيراتها في دول العالم الثالث، شبه غائبة عن خارطة السينما العالمية، باستثناء بعض المشاركات التي تركت أثرها على الساحة الفنية.

منذ انطلاق مهرجان كان Cannes الفرنسي عام 1946، حصد فيلم عربي وحيد جائزته الكبرى، السعفة الذهبية، "وقائع سنين الجمر" Chronique des années de braise عام 1975، بتوقيع المخرج الجزائري محمد لخضر حامينا، وربما يكون استحقاقه هذه الجائزة بمثابة "اعتذار ثقافي" من فرنسا عن فترة احتلالها للجزائر، إذ يحكي الفيلم عن الظروف السياسية والاجتماعية التي أدت إلى اندلاع الثورة الجزائرية عام 1954. إضافة لذلك، تنافس حامينا على السعفة الذهبية بثلاثة أفلام أخرى هي "ريح الأوراس" 1967، "العاصفة الرملية" 1982، و"الصورة الأخيرة" 1986.

لم تنقطع المشاركات الجزائرية في المهرجانات العالمية، بوجود مخرج آخر كبير، هو مرزاق علواش الذي تنافس فيلمه الأخير "السطوح" 2013، على جائزة الأسد الذهبي في مهرجان البندقية، وقبل ذلك بعام، نال فيلمه "التائب" 2012 الجائزة الفضية في مهرجان شيكاغو الدولي، بينما لم يعرض في الجزائر، إذ يتناول عودة أعضاء الجماعات المسلحة الإسلامية للاندماج في المجتمع بعد قانون المصالحة الوطنية الذي أصدرته الحكومة أواخر التسعينيات. علواش ذو الإنتاج الغزير نسبياً، سجل حضوراً عالمياً منذ فيلمه الأول "عمر قتلته الرجولة" 1977 الذي نال الجائزة الفضية لمهرجان موسكو الدولي.

في الدورة الأخيرة لمهرجان كان، نال المخرج الفرنسي التونسي عبد اللطيف كشيش السعفة الذهبية عن فيلم "حياة أديل" (الأزرق أكثر الألوان دفئاً). يحكي الفيلم قصة حب بين فتاة وأخرى مراهقة تكتشف ميولها الجنسية المثلية بعد علاقة فاشلة مع صديقها. لاقى الفيلم احتفاء ورواجاً في الأوساط الفنية والثقافية في أوروبا عموماً وفرنسا خصوصاً التي قطعت شوطاً كبيراً في مجال دعم حقوق مثليي الجنس، ولكن في المقابل، تجاهلت المهرجانات السينمائية العربية الفيلم، وكذلك الصحافة العربية التي اكتفت غالباً بذكر أخبار حصوله على جوائز عالمية دون الإشارة إلى مضمونه الذي ما زال يعتبر خطاً أحمر.

أما السينما الفلسطينية فقد وصلت للعالمية في العقدين الأخيرين عن طريق بعض المخرجين الذين ابتعدوا عن التناول النمطي للقضية الفلسطينية بشكل مباشر ومؤدلج، كحال المخرج "إيليا سليمان"، من خلال فيلمه الأشهر "يد إلهية" 2002 الذي رشح للسعفة الذهبية في مهرجان كان ونال جائزة النقاد وجائزة لجنة التحكيم الخاصة إضافة إلى جائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان شيكاغو. رشح فيلمه “الزمن الباقي” 2009 للسعفة الذهبية في كان أيضاً. سليمان الذي لا يعتبر نفسه ممثلاً للسينما الفلسطينية أو العربية، رغم أنه من أهم من عالجوا موضوع الصراع العربي الإسرائيلي، إن لم يكن الأهم على الإطلاق، تم تجاهله من قبل المهرجانات العربية لاتهامه بـ "التطبيع مع العدو الإسرائيلي" و"الخيانة" وما إلى ذلك.

سفير عالمي آخر للسينما الفلسطينية، هو المخرج هاني أبو أسعد، الذي اكتسب شهرته الواسعة بعد فيلمه "الجنة الآن" الذي يحكي قصة شابين فلسطينيين يقرران القيام بعملية "استشهادية" في إسرائيل. نال الفيلم جائزة "غولدن غلوب" Golden Globe لأفضل فيلم غير ناطق بالإنكليزية، ورشح لجائزة أفضل فيلم أجنبي في "الأوسكار" Oscars وجائزة الدب الذهبي في مهرجان برلين بألمانيا، كما نال جائزة أفضل كاتب سيناريو في مهرجان الأفلام الأوروبية.

أما السينما المصرية، فقد سجلت حضوراً قوياً في مهرجان كان، خصوصاً من خلال أفلام صلاح أبو سيف ومحمد خان وأحمد بدرخان، وكمال الشيخ الذي رشح فيلماه "حياة أو موت" 1955 و"الليلة الأخيرة" 1964 للسعفة الذهبية، كما رشح فيلمه "اللص والكلاب" 1962 لجائزة الدب الذهبي في مهرجان برلين.

وبالطبع كان لـ "الأستاذ" يوسف شاهين نصيب الأسد من الجوائز، حيث سجل حضوره بشكل شبه دائم في المهرجانات العالمية الكبرى، وقد تم تكريمه عن مجمل أعماله في مهرجان كان عام 1997 بجائزة اليوبيل الذهبي للمسابقة، وهو نفس العام الذي قدم فيه فيلمه الأشهر "المصير" الذي رشح للسعفة الذهبية، وكذلك رشح لنفس الجائزة فيلماه السابقان "الأرض" عام 1969، و"وداعاً بونابرت" عام 1985، ورشح للجائزة الكبرى فيلماه "ابن النيل" 1951 و"صراع في الوادي" 1954.

كما كان لشاهين حضور نادر على المستوى العربي في مهرجان برلين، حيث رشح فيلمان له لجائزة الدب الذهبي، "باب الحديد" 1958 و"اسكندرية ليه" 1979 الذي نال جائزة الدب الفضي للمسابقة.

بعد تلك الفترة الذهبية، غابت السينما المصرية، بشكل مثير للدهشة عن مهرجان كان منذ عام 2004 وحتى عام 2012 حين عادت من خلال "يسري نصر الله" بفيلمه "بعد الموقعة" الذي نافس على السعفة الذهبية.

بالمقابل، أغفلت المهرجانات العالمية تكريم أصحاب تجارب شكلت علامات فارقة في تاريخ السينما العربية، كشادي عبد السلام، مدكور ثابت، رضوان الكاشف، نبيل المالح، ناصر خمير، وعمر أميرلاي وغيرهم. لكن يبقى عزاء عشاق الفن السابع في أن الجوائز لا تعبر دائماً عن قيمة العمل الحقيقية، خصوصاً أن المهرجانات السينمائية، ولاسيما الأوسكار، تدخل فيها حسابات التسويق والميديا والسياسة.

بعيداً عن صخب المهرجانات والجوائز، تبقى السينما بالتأكيد لغة عالمية مشتركة لا تقف عند حواجز اختلاف الثقافة واللغة والجغرافيا. الفيلم الجيد قادر على فرض نفسه في الأوساط السينمائية حول العالم على مستوى المشاهدين والنقاد، حتى لو كان مشغولاً بإمكانيات متواضعة وتكلفة منخفضة. لكن مشكلة السينما العربية، إضافة إلى نقص دعم الإنتاج، هي ضعف المهرجانات العربية وعدم تشجيعها للتجارب الشابة، إضافةً إلى منع عرض كثير من الأفلام العربية الهامة بسبب تخطيها تابوهات الدين والجنس والسياسة.

التعليقات

المقال التالي