المحتوى الرقمي العربي، انعكاس لواقعنا

المحتوى الرقمي العربي، انعكاس لواقعنا

"المحتوى العربي على الإنترنت"، تعبير يترافق في أذهاننا مع الضعف. فمعظمنا، أثناء البحث على الشبكة العنكبوتية عن معلومات دقيقة ومصادر موثوقة، لا يتكلف عناء استخدام اللغة العربية. إنه الواقع. تسيطر على المحتوى الرقمي العربي منتدياتٌ ضعيفة شكلاً ومحتوى، وهو لا يتعدى %3 من محتوى الشبكة العالمي. نتحدث هنا عن لغة هي السابعة استخداماً من بين 6500 لغة حول العالم. عن لغة يقبل متحدثوها بنهم على الشبكة العنكبوتية، لا سيما في السنوات الأخيرة؛ فعدد مستخدمي الإنترنت زاد بنسبة %2500  ما بين عامي 2000 و2011، ليصبح اليوم 90 مليوناً. الأرقام التي تصلنا حول هذا الفضاء، تظهر لنا ضعفه، من جهة؛ إذ لا يوجد في ويكيبيديا، مثلاً، سوى ما يقارب 220 ألف مقال باللغة العربية التي ينطق بها 360 مليون شخص، مقابل ما يزيد عن نصف هذا الرقم للناطقين باللغة العبرية، على سبيل المثال، وعددهم لا يزيد عن 7 مليون. كما تظهر لنا، من جهة أخرى، ما يحمله من إمكانيات في التطور؛ إذ أن اللغة العربية، اليوم، من اللغات العشر الأكثر استخداماً على تويتر مثلاً، وقد ارتفعت نسبة استخدامها بشكل كبير، في حين أنخدمةَ الكتابة من اليمين الى اليسار تبلغ سنة من العمر.

لكن الإقبال المتزايد على الشبكة العنكبوتية، وعلى وسائل التواصل الاجتماعي خصوصاً، لا يعكس بالضرورة زيادة في المحتوى العربي على الشبكة، بل يبيّن قصوره. بدأ الحديث عن إغناء المحتوى الرقمي العربي منذ سنوات، عندما أطلقت الإسكوا، عام 2003، مبادرة "لتعزيز صناعة المحتوى الرقمي العربي" أعادت إحياءها أواخر العام 2012 لفترة ستمتد على سنتين، مركزة بشكل رئيسي على تدعيم الحاضنات التكنولوجية. منذ ذلك الوقت، والمبادرات تتكاثر، تاركة هنا وهناك آثارها الإيجابية على الشبكة، ولكن من دون أن تبشّر بنقلة نوعية نحن بأمس الحاجة إليها اليوم. أحدثها، قرار مجموعة طلال أبو غزالة للخدمات التعلمية والمهنية استثمار 10 ملايين دولار في إطلاق موسوعة الكترونية عربية، هي تجيبيديا. الموسوعة تنطلق الى العلن أواخر هذا العام بمليون مقال، بعد خمس أعوام من العمل. ومع أن إسمها مستوحاً من ويكيبيديا، غير أن محتواها يخضع للمراجعة والتدقيق قبل النشر.

"مشروع الكتاب المفتوح"، من جهته، هو ثمرة شراكة أبرمتها منظمة التعليم والثقافة والعلوم التابعة للجامعة العربية، مع وزارة الخارجية الأميركية. يهدف المشروع إلى إنتاج وترجمة مصادر تربوية مفتوحة ومواد تعليمية متعلقة بالعلوم والتكنولوجيا، وإتاحتها على الشبكة مجاناً. عدا تحميلها وطباعتها، سيتمكن من يشاء من تعديل هذه المواد بما يتناسب مع المتطلبات المحيطة به. كانت غوغل، كذلك، قد تعاونت مع شركتي يملي وvinelab على إطلاق مشروع أيام الإنترنت العربي بالتعاون مع ويكيبيديا ويوتيوب، وكذلك مع مبادرتي تغريدات و”ومضة”. سعى هذا المشروع، بحسب مطلقيه، إلى "سدّ الفجوة بين عدد متحدثي اللغة العربية وبين توافر المحتوى الرقمي باللغة العربية"، وذلك عبر سلسلة من الأنشطة نُفذت على امتداد شهر كامل في مجموعة كبيرة من الدول العربية، تضمنت دورات تدريبية في الكتابة الإلكترونية بالعربية، ورشات عمل حول كيفية جني المال عبر المحتوى العربي، وملتقى للمغردين العرب، ومسابقة في إنتاج رسوم بيانية عربية. استخدمت هذه المبادرة وسائل مرحة وخطاباً على تماس مع لغة الشباب اليوم، وهو ما لا تتمتع به كل مبادرات إثراء المحتوى العربي. أما مبادرة الملك عبدالله للمحتوى العربي، التي تشرف عليها مدينة الملك بن عبد العزيز للعلوم والتقنية، فقد ساهمت من جهتها في مجالات عدة، أبرزها مشروع المدونة العربية التي تهدف إلى نشر "سبعمائة مليون كلمة مما دُوّن بالعربية ابتداءً من العصر الجاهلي حتى العصر الحديث” بما في ذلك مخطوطات وصحف وكتب ومجلات ودوريات علمية باللغة العربية. بالإضافة الى مشروع معجم اللغة العربية التفاعلي الذي لا يمكن عدّه للأسف، رغم أهميته، ضمن أهم ما يحتاج إليه المحتوى العربي الرقمي اليوم. أنتجت المبادرة أيضاً نسخة تجريبية لمحرك بحث عربي نبع لا يرقى الى مستوى محركات البحث التي نستخدمها اليوم، ولا يشكل بالتالي خطوة نوعية في هذا المجال. تلعب المبادرة دوراً مهماً في إغناء محتوى موسوعة ويكيبيديا العربي، وتحرص على ترجمة العديد من الكتب والمنشورات العلمية التي تتيحها للجميع في بوابةالكترونية خاصة.

تغلب الترجمة على مبادرات إثراء المحتوى العربي، لا سيما مبادرة تغريدات المساهمة في تعريب واجهة تويتر، وتعمل اليوم على تعريب كل من موقع TED العالمي وموقع Storify، إضافة لموقع خان أكاديمي التربوي. أبرز ما يميّز هذه المبادرة اعتمادها بشكل أساسي على متطوّعين، إذ أنها تملك شبكة من 7 آلاف متطوع موزعين حول 31 دولة، تعمل على تدريب بعضهم، وتوفر للآخرين معايير محددة لضمانة جودة العمل.

تعطي هذه المبادرات إحساساً بأن هناك ما ينجز على أرض الواقع، وتعيد الحديث عن المحتوى العربي على الإنترنت إلى الواجهة. لكن مع ذلك، تبدو غالبية هذه المبادرات مشتتة، وتفتقر إلى بعد استراتيجي واضح. بجعل الأمر يقتصر على الترجمة والتعريب، نمرّ بموازاة المشكلة الأساسية فقط، لأن المحتوى العربي على الإنترنت ليس سوى انعكاس للإنتاج الفكري والعلمي والثقافي في العالم العربي. البحث العلمي لا يحظى بأكثر من %0.2 من الانفاق العام؛ إنتاج الكتب السنوي يكاد يكون كارثياً، وإن كنا لا نملك إحصاءات دقيقة حول هذا المجال؛ ومحتوى اللغة العربي “القيّم” على الشبكة العنكبوتية ليس سوى امتداد لذلك، وانعكاس لمدى حظو اللغة العربية باهتمام متكلّميها.

ما يحتاجه المحتوى العربي على الإنترنت هو استراتيجية موحدة، تتولى هيئة مشتركة بين مختلف الدول العربية الإشراف عليها. أكثر ما يجمع الدول العربية اليوم، مع كل ما يميز إحداها عن الأخرى، هو هذه اللغة المشتركة، ما يزيد من فرص نجاح مبادرة كهذه. تقدم لنا مؤسسة الفكر العربي اليوم واجهة قد تساعد على تحديد الأولويات وتشكل ركيزة للانطلاق، عبر المرصد الإحصائي للمحتوى الرقمي العربي، الذي يجمع ويصنف المحتوى العربي على الشبكة العنكبوتية منذ 1995 حتى نهاية 2011، استناداً إلى قاعدة بيانات هائلة مؤلفة من 20 مليون مادة، فيما سيجري، بحسب القائمين على المشروع، تحديث المحتويات دورياً كل ستة أشهر.

نشر على الموقع في تاريخ 13.08.2013

التعليقات

المقال التالي