المزادات عربياً، استعراض أم قيمة فنية؟

المزادات عربياً، استعراض أم قيمة فنية؟

في عام 2006، دخل الفن التشكيلي العربي المعاصر في دائرة مزادات "دار كريستيز" Christie’s، ولحقتها بعد ثلاثة أعوام "سوذبيز" Sothebys. بدا أهل الفن، عندما باشرت المؤسستان العالميتان بالقيام بمزادات مختصة في الفن العربي، كأنهم على موعد مع ظاهرة جديدة لم تكن مألوفة في المنطقة. نتيجة لذلك، ولدت العديد من صالات العرض الخاصة ودور الفنون في مختلف أنحاء العالم العربي، وصار الفن وعبره المتاحف أعمدة نمو في الاقتصادات الناجحة. لكريستيز اليوم دورتان سنويتان في دبي، ولسوذبيز دورة واحدة في الدوحة ولأيام چاليري دورتان أيضا.

لم تصل أسعار اللوحات العربية إلى أرقام خيالية، كما هي أسعار لوحات بيكاسو Picasso وفرانسيس بايكن Francis Bacon وداميان هيرست Damien Hirst، لكنها شهدت خلال عشر سنوات قفزة نوعية. أصبح للفنانين العرب سوق لأعمالهم، ما أثّر إيجاباً على الإنتاج الفني والابتكار.

يختلف النقاد والمعلقون العرب في تقييمهم سوق الفن في العالم العربي، بين من يعتبرها لعبة "مافيوية" واستعراضية يتحكم بها متمولون لديهم فائض من المال، لا يعني العمل الفني بالنسبة لهم شيئاً، وبين من يعتبر المزادات ضرورة من أجل تفعيل الإنتاج الفني.

تسلط مزادات اللوحات التشكيلية الضوء على الكثير من التجارب الفنية، سواءٌ لناحية أسعارها أو قيمتها الفنية والتاريخية والحداثية. لنبدأ بمسار اللوحات التي حققت أرقاماً قياسية في المزادات العلنية. كثيرون لا يعرفون الفنانة الأردنية - التركية فخر النساء زيد، التي حققت لوحتها "كسر الذرة والحياة النباتية" رقماً قياسياً في شهر أكتوبر من هذا العام، إذ وصل سعر اللوحة إلى2.7 مليون دولار. أنجزت فخر النساء زيد هذه اللوحة عام  1962، وتعد من أبرز أعمالها التي تأثرت بالخطوط العربية ومناخات الصوفية والثقافة البيزنطية - الغربية.

171

سنة أكتوبر 2010 بيعت لوحة "الدروايش المولوية" للفنان المصري محمود سعيد بـ 2.5 مليون دولار أميركي. تعود لوحته هذه إلى عام 1929، وتُظهر ستة من دراويش المولوية بملامح متشابهة وملابس متماثلة، مع فروق في وضعيَّة كلٍّ منهم أثناء أداء الأذكار الدينية في الحقبة العثمانية. عمل سعيد طوال رحلته الفنية على الموضوع الديني، فأخذته فكرة الموت والدفن والآخرة والتصوف والتعبد في مراحل النضج. بيعت له لوحة أخرى في مزاد كريستيز دبي في أبريل 2010 بـ 2,4 مليون دولار وهي لوحة "الشادوف".

172

لوحات محمود سعيد وفخر النساء زيد كانت قد اكتسبت بعداً تاريخياً، ومن خلالهما طرح السؤال حول اقتناء اللوحات باعتبارها مادة ذهبية للمستقبل. سأل أحد الكتّاب المصريين: "لماذا يدرك هواة الاقتناء ومحترفوه أهمية وقيمة أعمالنا الفنية بينما نتجاهلها نحن أو لا نعرفها أو لا نعترف بها أحياناً؟ ولماذا لا ننشر ثقافة اقتناء الأعمال الفنية حتى من باب الاستثمار؟"

ثمة أعمال لفنانين لبنانيين وعراقيين وسوريين كانت تُباع بأسعار متواضعة في التسعينيات، مثل بول غيراغوسيان وشفيق عبود وجواد سليم وفاتح مدرّس، لكنها سجّلت في مزادات "كريستيز" أرقاماً يمكن وصفها بالمرتفعة جداً. إذ بيعت لوحة Le Chemin dAlep لشفيق عبود مقابل 387 ألف دولار أميركي، وبيعت لوحة La Lutte de l’Existence لبول غيراغوسيان (1926- 1993)، مقابل 605 ألف دولار. تبرز هذه اللوحة الجمال التعبيري الذي لازم الفنان في مسيرته، وهي شديدة الالتصاق بالمرحلة التي رسمت فيها، إذ يعبر من خلالها غيراغوسيان عن المعاناة والمأساة التي لازمت بيروت قبل انتهاء الحرب الأهلية.

بيعت لوحة بلا عنوان لفاتح مدرّس (1922-1999)، أحد أبرز التشكيليين السوريين، مقابل 315 ألف دولار؛ كما حقق العمل الفني التشكيلي الخشبي للفنان العراقيجواد سليم (1921-1961) رقماً قياسياً إذ بيع مقابل 662 ألف دولار.

المفاجأة التي حصلت في مزاد "كريستيز" خلال السنوات الماضية، تمثلت في بيع لوحة "دع ألف زهرة تتفتح" للفنان اللبناني الشاب أيمن بعلبكي (مواليد 1975) مقابل 206 ألاف دولار بعد أن كانت قيمتها التقديرية الأولية 50,000 - 70,000 دولار أميركي. وفي الدوحة باعت سوذبيز هذا العام لوحة له إسمها "يا إلهي" بسعر 377,000 دولار، إضافة إلى مجموعة عمل للمصري شانت افيديسيان بسعر 1,560,000 دولار. أما بالنسبة للفنانين السعوديين فقد بيع في مزاد كريستيز العمل "قبة الكونغرس" للفنان السعودي عبد الناصر غارم بمبلغ 842,000 دولار أميركي سنة 2011، وقد نجح غارم وهو ضابط في الجيش السعودي، خلال سنوات قليلة، في تصدر قائمة الفنانين الخليجيين الأحياء. يتميز عمله هذا بجمعه لشكل قبة الكونغرس الأميركي وتمثال الحرية الذي أنجزه النحات الأميركي توماس كروفورد في القرن الـ19 مع تزيينها بالزخارف الإسلامية. تقوم المنحوتة على قاعدة سوداء، وتحمل الكثير من الدلالات حول العلاقة التي تجمع أميركا بالبلدان العربية سواء السياسية أو الاقتصادية.

173

المزادات سوق لترويج الفن. في كل سوق بضائع مختلفة، منها الممتاز ومنها الأقل جودة، ولكل مشترٍ ذوقه الخاص. ثمة من يجد فيها فرصة لإعطاء الدور الحقيقي للفن التشكيلي، وهناك من يعتبر أنها خلخلت حواس بعض الفنانين عبر رفع رصيد بعضهم مقابل تجاهل البعض الآخر، ضمن اعتبارات لا تكون دوماً سليمة. المسؤولية تقع بالدرجة الأولى على مقتني الأعمال الفنية، أذ عليهم أن يكوّنوا معرفة واسعة بالسوق الفنية وبمسيرة الفنان الذي يدعمونه. أياً يكن، يشهد الفن العربي نهضة حقيقية، وسوق الفن هذا ضروري لتبادل أفكار واتجاهات ستنعكس حتماً على الإنتاج الفني العربي.

كلمات مفتاحية
الـ22 فن

التعليقات

المقال التالي