الشرق الأوسط: ما الذي تفعله السينما؟

الشرق الأوسط: ما الذي تفعله السينما؟

مع انسداد الأفق يوماً بعد آخر، وازدياد تعقيدات القضيايا العالقة، لا سيما القضية السورية، يبقى الشرق الأوسط بمعادلاته المتشابكة وأزماته المتلاحقة محط اهتمام العالم. المنطقة التي تشهد اليوم، بتحولاتها الراهنة، عنفاً سياسياً وقهراً اجتماعياً قل نظيرهما، تغيب فيها الصورة لصالح الخبر المسيس أو المؤدلج، لتبقى الصراعات العميقة في البنى الاجتماعية الأساسية مغيبة تماماً بفعل القوى الفاعلة ومحاولاتها المستمرة في تقديم الصورة التي تشتهي. في نفس السياق، هل يمكن للسينما أن تخترق المنظومة المسيطرة؟ هل يمكن لها أن تخلق رؤية مختلفة عما تريده السلطات والقوى المؤثرة؟ أسئلة وموضوعات عدة حاولت تظاهرة السينما الشرق أوسطيةإبرازها لتكون مادة للحوار.

تحت عنوان "سينما الشرق الأوسط: ما الذي تفعله السينما؟"، انطلقت التظاهرة وسط العاصمة الفرنسية باريس في 29 نوفمبر الماضي، وكانت القضايا السابقة عنواناً أساسياً لدورتها هذا العام. جاء في البرنامج الرسمي للمهرجان الذي ينعقد بشكل دوري كل عامين أربعون فيلماً يحاكي واقع الحال في بلدان عدة (لبنان، سوريا، العراق، مصر، إيران، فلسطين، ليبيا، وإسرائيل).

ما يزيد عن نصف الأفلام المشاركة في المهرجان، تناولت محور الصراع  الأساسي في المنطقة، فلسطين - إسرائيل، وتنوعت الأفلام التي كان هذا الصراع في صلبها، كما ناقشت معظمها انعكاساته ورواسبه في البنى المجتمعية الفلسطينية. ركزت معظم الأفلام على سوء الحالة الإنسانية للاجئين الفلسطينين في الداخل والخارج، وعلى مناقشة المآسي المتعاظمة يوماً بعد آخر مع هذا الشعب الذي باتت "المخيمات" تشكل وضعه الطبيعي!

افتتح المهرجان بالفيلم اللبناني "العالم ليس لنا" للمخرج الفلسطيني الأصل مهدي فليفل. يرصد الفيلم، الذي سبق له الفوز بجائزة اللؤلؤة السوداء في مهرجان دبي السينمائي، ملامح بيئة فلسطينية (مخيم عين الحلوة في ضواحي صيدا اللبنانية). الفيلم الذي يقارب، بحس نقدي ساخر، الحالة الفلسطينية على ما كانت عليه في السنوات السابقة ويقارنها مع الحالة اليوم، من خلال تقديم حكايات إنسانية فردية لـ "أبو اياد"، يمكن سحبها على عموم المشهد الفلسطيني.

في 6 ديسمبر عُرض الفيلم اللبناني الفرنسي "وحدن" للمخرجة نورما مرقص. "وحدن" قصيدة للشاعر اللبناني طلال حيدر، كتبها مباشرة بعد فشل عملية فدائية فلسطينية، وغنتها فيروز (كما تروى الحكاية). يتناول الفيلم قصة الناشطة الفرنسية فرانسواز كاستيمان Francoise Kesteman المناصرة للقضية الفلسطينية، حيث كان للمخرجة أن تلتقيها بداية الثمانينات، قبل أن تقتل هذه الناشطة في عرض البحر خلال عملية نفذتها ضد الجيش الإسرائيلي.

تحية خاصة وجهت خلال التظاهرة إلى جوليانو مير خميس Juliano Mer-Khamis وذلك بعرض فيلم "مع جوليانو" لـ امتياز دياب. الفيلم الذي أنتجه التلفزيون الفلسطيني كان أحد أهم أفلام المهرجان التي تصور عمق الصراع الفلسطيني الإسرائيلي: في أبريل عام 2011، بعد مرور يوم على أبشع الجرائم التي وقعت في تاريخ المنطقة الحديث، بدأت دياب بتسجيل شهادات فيلمها من فنانين وطلاب وأصدقاء عملوا مع جوليانو، محاولة تصوير وإبراز مكانة خميس في الوجدان الفلسطيني.

جوليانو الذي حمل سؤال الوجود والهوية، هو المخرج العالمي المعروف الذي عمل في مسرح صغير داخل مخيم جنين، تاركاً عمله الاحترافي ليدرب أطفالاً تتراوح أعمارهم بين 8 و 18 سنة. هو كذلك اليهودي الحامل للجنسية الإسرائيلية، ابن المناضلة وداعية السلام آرنا مير خميس التي يعرفها فلسطينيو رام الله جيداً. العرض الذي شد أنظار الجمهور الباريسي إليه ليس وثائقياً عن جوليانو، بقدر ما هو مجموعة شهادات صادقة عن هذا الرجل. الفرنسيون الذين سبق لهم أن وجهوا تحية للشهيد الفلسطيني، وذلك بعرض فيلم المخرج الفرنسي الكبير نيكولاس كلوتز Nicolas Klotz عنه، في دار الأوبرا في أفينيون يوم 14 يوليو الماضي (المصادف لذكرى الثورة الفرنسية)، تسنى لهم كذلك أن يشاهدوا وجهة نظر فلسطينية عن المخرج الراحل.

كان لسوريا التي تتصدر المشهد العالمي وجود بارز، حيث قُدمت 6 أفلام عالجت الشأن السوري أو تقاطعت معه. أولى هذه الأفلام كان فيلم "مشوار" أو “رحلة” للمخرج السوري ميار الرومي. الفيلم الذي لعب بطولته الممثل السوري الشاب عمار حاج أحمد والممثلة اللبنانية ألكسندرا قهوجي، لا يرتبط بالحدث السوري اليوم، إلا إنه يطرح قضية المرأة ووضعها ضمن مجتمع تتصاعد فيه الانتهاكات تجاهها يوماً بعد آخر. بجرأة استثنائية، وبمقترح بصري جديد، استطاع الرومي أن يصور مشوار قصة حب سورية.

قضية اللجوء السوري التي تعد اليوم إحدى أهم قضايا المنطقة حضرت في فعاليات التظاهرة، وذلك بعرض فيلمين تناولا بؤس الوضع الإنساني في مخيمات دول الجوار. الفيلم الأول "معاناة الأعشاب" للمخرجة البرازيلية لارا لي Iara Lee. "عندما تتصارع الفيلة تُداس الأعشاب" عبارة تلخص بها المخرجة ذات الأصول الكورية فكرة فيلمها الذي ينتصر لضحايا الحرب المشتعلة على الأراضي السورية، كون الفقراء هم الخاسر الأول والأخير دائماً ضمن الصراعات الكبيرة. أما الفيلم الثاني "أرواح صغيرة، 2012" فتذهب صاحبته (المخرجة دينا ناصر) لتقدم ما يحدث في الداخل السوري على لسان أطفال مخيم الزعتري. يروي الأطفال رؤيتهم للصراع في بلادهم، ليس كذلك فحسب، بل يدلون بآراءهم الخاصة. عدسة المخرجة الشابة لا تخفي حجم القهر الإنساني داخل هذا المخيم، لا سيما حال الضحية الأكبر، الأطفال.

"شباب اليرموك" فيلم آخر تناول أوضاع أبناء المخيمات، عبر التطرق لوضع الشباب الفلسطيني داخل أكبر مخيم في الشتات، مخيم اليرموك. قبل بدء الانتفاضة السورية، عمل المخرج الفرنسي الشاب آكسيل سلفاتوري سينز Axel Salvatori-Sinz على تصوير أحلام شبان هذا المخيم بالهجرة، إلا أن انطلاق الانتفاضة السورية في ربيع 2011 أجبر المخرج على مغادرة الأراضي السورية، لينتظر من أبطال فيلمه مشهداً يحكون فيه عمّا آل إليه حال المخيم وكيف أضحت مصائرهم؟

أخيراً وليس آخراً في الحديث عن الأفلام التي استعرضت حال السوريين، كان فيلم "ألف ميل من الثورة" للمخرج الإيراني بهزاد أديب. اختار أديب أن يستعرض في فيلمه حال مواطن سوري هاجر من بلاده منذ عام 1984. عماد المهاجر (سائق التكسي) له آراؤه الخاصة حول التغطية الإعلامية لما يدور في بلاده التي تركها منذ ما يقارب ثلاثة عقود. "حاضنة الشمس" الفيلم السادس كان من إخراج التشكيلي السوري عمار البيك. وثائقي سبق عرضه في عدة مهرجانات دولية كبيرة، كان أهمها مهرجان فينيسا.

من أهم الأسماء العربية المتواجدة، برز إسم المخرجة المصرية تهاني راشد عبر فيلمها "نفس طويل". عرضت راشد في فيلمها حياة رجل مصري يساري من الطبقة الوسطى، يشكل لسان حال معظم المصريين في أملهم وخوفهم مما يحدث في مصر. في المشهد الافتتاحي يظهر بطل الفيلم، جمال، الذي يشاهد محاكمة حسني مبارك. بطل الفيلم يشبه ملايين المصريين، يستمع لخطابات عبد الناصر؛ علاقته حميمية بأغاني كلثوم؛ تربطه علاقة متميزة مع الشاعر المصري الراحل حديثاً أحمد فؤاد نجم. تنتقل مخرجة الفيلم ببراعة من الحديث عن ماضي جمال وعلاقته بتاريخ مصر إلى الحديث عن الحاضر المصري، بتشعباته، بأزماته المجتمعية المستعصية، لا سيما قضيتي التعليم والمرأة.

POSTER5a

كذلك عرض ضمن البرنامج الرسمي 5 أفلام إيرانية تناولت قضايا عدة منها المرأة، الفقر، والاغتراب. أهم الأفلام الإيرانية المشاركة كان فيلم "سينما الاستياء" الوثائقي الذي يروي قصة شجعان أعطوا للسينما الإيرانية سمعة طيبة ومكانة عالمية، لا سيما أنهم يعملون في ظروف صعبة جداً؛ فهم المعرضون دوماً للتهديد أو السجن أو النفي. كرّم مخرج الفيلم جمشيد أكرامي Jamsheed Akrami مخرجين كباراً في السينما الإيرانية من أمثال بهمن قوبادي وأصغر فرهادي (الحاصل على جائزة أوسكار)، وآخرين.

عروض متنوعة أخرى من لبنان والعراق والأردن وليبيا، تصدّى لإخراجها مخرجون عرب وأجانب عُرضت خلال أيام الاحتفالية، محاولين فيها إدانة الانتهاكات الإنسانية التي تقوم بها الأطراف السياسية في المنطقة. الجدير بالذكر أنه ترافق مع أيام التظاهرة ندوات ونقاشات عن التغيرات الحاصلة في الشرق الأوسط، شارك بها عدد من المثقفين والسياسين العرب، مثل السياسية الفلسطينية ليلى شهيد، الكاتب والمؤرخ الفلسطيني إلياس صنبر، والسياسي والكاتب السوري المعارض سمير العيطة.

التعليقات

المقال التالي