فخر النساء، امرأة الـ 2.74 مليون دولار

فخر النساء، امرأة الـ 2.74 مليون دولار

2.74 مليون دولار هو السعر الذي حسمه بائع مزاد Christie’s بعد جدالٍ حامٍ على اقتناء لوحة "انشطار الذرة وحياة النبات"، للرسامة التركية الأردنية الأميرة فخر النساء زيد، التي رحلت عن عالمنا منذ 22 عاماً، تاركةً لنا إرثاً غنياً بالفلسفة الفنية التجريدية التي اقتبست أصلها من الشرق وتسلّمت ريشتها من الغرب. من هي تلك المرأة العربية التي حققت سعراً قياسياً عربياً بلوحةٍ ابتكرتها في العام 1962؟ وما هو هذا الفن التجريدي الذي لا يقبل إلا أن يلامس كل عينٍ تقع عليه؟ وأية رسالةٍ هي تلك التي تزداد قيمتها مع مرور الوقت في عالم الفن؟ أسئلةٌ ترد عليها فلسفة فخر النساء.

شهدت السنين الخمس الماضية إقبالاً متزايداً وشهية فنية كبيرة على الفن العربي. وأتت لوحة "انشطار الذرة وحياة النبات" لتشبع الأعين الضالة بحثاً عن مشهدٍ تجريدي قيّم مستوحاً من الخط الإسلامي الجميل، ثمنه 2.74 مليون دولار. عُرضت تلك اللوحة التاريخية أمام أعين ذوّاقي الفن في مختلف العواصم الفنية العالمية، إلى أن اختارت دبي مرفأً لها. فخر النساء هي المرأة العربية الوحيدة التي سجّلت إسمها في حركة الفن التجريدي. تفوح من لوحتها الروح الفنية التي طبعت فناّني حقبة ما عرف بمدرسة باريس Ecole de Paris في النصف الأول من القرن الماضي. لوحاتها تعكس حركة تجريدية هندسية ساحرة، مرسومة بإيقاعٍ حر، يقيّده فقط جمال التخطيط العربي وميزة الخصائص الصوفية، ويلطّفه الوحي البيزنطي وزخارف الفن الغربي، بألوانٍ بنفسجية وخضراء وحمراء وزرقاء تتحدّى أشكالاً سوداء عنيفة.

الأميرة فخر النساء زيد .. لوحة انشطار الذرة وحياة النبات

فنانة منسجمة مع الذرّات

سيرة حياة فخر النساء زيد ملوّنةٌ بالألوان كافة التي استخدمتها في لوحاتها. اسمها يقف وحده في الساحة الفنية المعاصرة التركية، بعد أن تأسّس في أهم مدارس الفن في أوروبا ولحق بمجموعات عدّة من الفنانين. عاشت قصةً استكشافية للحياة والفن في آن، فكما تقول: "من أجل ابتكار تحفة، عليك أولاً أن تشعر بنفسك داخل اللوحة، وتستقرّ داخلها مع كل حوافز وجودك". تفكّر بمشاعرها بمن حولها، فيخلقون في لوحاتها، وتختار الألوان التي ترسم عالماً تستطيع أن تعيش فيه مع أحبائها. "عندما أرسم، أجد نفسي متكاملة مع كافة الكائنات الحية... ثم أفقد نفسي وأصبح جزءاً من العملية الابداعية الخارقة، التي تبتكر صوراً كبركان تفوح منه الحمم. في الإجمال، ألمس الوعي تجاه الصورة فقط لحظة تكتمل". هكذا تصف إحساس الخلق، نشوةٌ لا مفر منها.

التقطت فخر النساء الريشة لأول مرة وهي في الرابعة من عمرها، حاسدةً أخاها الكاتب Cevat Shakir. في لحظة ما "كان صوت فرشاته يدخل أذني كلحنٍ عذب. التقط يدي وأخذ يحركها على الورقة ومنذ تلك اللحظة، لا هذا الصوت اختفى، ولا شغف الرسم". في سن الثانية عشرة راحت ترسم الوجوه، وبعدها أخذت ترسم الصور على ثيابٍ حريرية وتعلقها على جدران منزلها. تصفها شقيقتها الفنانة Aliye Berger على أنها امرأة دقيقة جداً "عندما تلاحظ أن قسماً من لوحتها كان متسخاً كانت تغطيه برسم فراشةٍ عليه، وإن كانت البقعة صغيرة ترسم فيها يرقة فراشة".

امرأة بروح البوسفور

في بيئة البوسفور محطة التواصل بين الشرق والغرب والتنافس الحاد بين العالمين، ولدت فخر النساء في عاصمة الدولة العثمانية (1901 – 1991)، مسكن الحضارة البيزنطية الشرقية ومقر الخلافة الإسلامية الأخير، أيام كانت تحتد خلالها التحولات السياسية في الإمبراطورية، أيام ولد الفن المطالب بالحرية. حظيت فخر النساء برعاية فنية من ذويها، وفي بيئةٍ خصبة مزجت كافة الثقافات تنشقت زيد الفن. من دار الفنون في اسطنبول، التحقت فخر النساء بأكاديمية Ranson للفنون في باريس، حيث تعرفت على العديد من الفنانين والنقاد العالميين، الذين أثّروا في فنها فيما بعد. زواجها الثاني من الأمير الهاشمي زيد بن حسين علي، الذي كان يعمل سفيراً للعراق في أنقرة في عهد الملكية، شكل خطوة فاصلة في حياة الفنانة.

نقلتها الحياة الديبلوماسية من عاصمة لأخرى، حيث تمكنت من بناء شخصيتها الفنية الواعية. سعت أهم المتاحف العالمية إلى اقتناء أعمالها الفريدة، التي كانت تتميّز عن غيرها بروحها العصرية العالمية وكيانها الشرقي. منزل فخر النساء في باريس يوم استقرت فيه عام 1958، قبيل الانقلاب الذي أطاح بالعائلة المالكة العراقية، كان أشبه بتحفة فنية، من خلال تمازج الأشكال واللوحات مع الزخارف الشرقية ومساقط الضوء. عند وفاة زوجها الأمير زيد، انتقلت فخر النساء إلى الأردن لتترك بصمتها الفنية في حياة البلاد الفنية. أسست مدرسة فنية لتدريس الرسم - الأكاديمية الملكية للفنون الجميلة، فخر النساء زيد - قدمت من خلالها خبرة خمسين عاماً من العمل في مجال الفن التشكيلي، وتخرج منها كبار الفنانات العربيات اليوم.

فنٌ ابتكر التجريدي الشرقي

ثقافة عثمانية، ذوق فارسي، علمٌ فني إسلامي مطعّم بالآثار البيزنطية والرومانية، هكذا رأى فنّها كبار نقاد القرن الماضي. حتى هي بنفسها عجزت عن تحديد هويتها الفنية جراء احتضانها عدّة شخصيات ثقافية، مما شكل تحدياً لمن يبحث عن انتمائها الفني والثقافي في تاريخ الفن الحديث. النقاد الأتراك سلّطوا الضوء على تصرفها الأوروبي، والأوروبيون شدّدوا على فنها الشرقي المفعم بالرسائل السياسية. ذلك الكائن الفني الفضائي ابتكر الفن التجريدي العربي الحديث منذ أوائل الخمسينيات. الفنون التصويرية في الفن الإسلامي كانت ممنوعة، ولم يكن يسمح برسم المعالم الطبيعية، فانرمت فخر الدين على رسم الصور بأسلوب الـ ”كروشيه“ أو التطريز والفسيفساء، بجرأة تحدّت التقاليد والقيود. سمحت لإلهها الداخلي بالتكلم عالياً عبر ريشتها، وجمعت المعتقدات المتضاربة في ألوانٍ تصرخ بانسجام تام.

"عندما أرسم، أشعر أن سائل تلك الشجرة يرتفع نحو الغصن الذي أقف عليه أو إلى أعلى الغصون التي أتمنى أن أصل إليها، ثم يتدفق من خلالي ليتحول إلى أشكال وألوان في لوحتي. إنني نوعٌ من وصلةٍ تحسّ وتنقل ذبذبات كل شيءٍ في العالم".

كريستين أبي عازار

صحافية لبنانية تعمل في مجالي الإعلانات والصحافة المكتوبة. متخصصة في الشؤون الاجتماعية والثقافية في منطقة الشرق الأوسط. عملت سابقاً في مجلة ماري كلير Marie Claire العالمية بنسختها العربية.

كلمات مفتاحية
فن

التعليقات

المقال التالي