"التعليم من أجل السلام" أي مستقبل له في لبنان؟

"التعليم من أجل السلام" أي مستقبل له في لبنان؟

“يمكن لمعلم واحد وكتاب واحد وقلم واحد أن يغيّر العالم”. كلمات قليلة وصائبة للتلميذة الباكستانية مالالا يوسف زاي، التي حاولت حركة طالبان قتلها بسبب نضالها من أجل حق التعليم. التعليم حق لكل طفل وطفلة، أمر لا جدال فيه، إلا أنه حق منتهك في الكثير من الدول التي تشهد نزاعات وفقراً. لقد حتّم هذا الواقع المرير أن تحتفل الأمم المتحدة باليوم العالمي للسلام، هذا العام، تحت شعار "التعليم من أجل السلام"  للاستثمار في التعليم الذي يشجع الأطفال على تبني المواطنة العالمية على أساس قيم التسامح والتنوّع.

ولكن ما هو “التعليم من أجل السلام”؟

تعددت التعاريف إلا أن النتيجة واحدة. بعد فظائع الحربين العالميتين الأولى والثانية، شهدت المجتمعات يقظة جديدة حول الحاجة إلى تطوير الجانب الإنساني من التعليم كأداة لإحلال السلام العالمي. تطورت المفاهيم على مرّ الزمن، فبات  "التعليم من أجل السلام"  إطاراً علاجياً لحماية الأطفال من الانزلاق في دوّامة العنف، يهدف إلى نمو الطفل وتلقينه أسمى المبادئ الاجتماعية والإنسانية. باختصار، يسعى هذا النوع من التعليم إلى تطوير مجموعة من المهارات السلوكية الضرورية للعيش بسلام ولبناء المجتمع، مما يعود بالفائدة على كل الإنسانية.

منذ بداية القرن العشرين، تناولت برامج التربية من أجل السلام باقة واسعة من المواضيع، كالتفاهم الدولي، المسؤولية البيئية، التواصل، اللاعنف، تقنيات حلّ النزاعات، الديمقراطية، التوعية بشأن حقوق الإنسان، التسامح في وجه التعددية والتعايش والمساواة بين الرجل والمرأة. إلا أن فعالية وتطبيق مبادئ  التعليم من أجل السلام تختلف من بلد الى آخر، كما أنّه يتّسم بأهمية أكبر عندما يتم اعتماده وفقاً للبيئة الاجتماعية والثقافية ولحاجات دولة ما.

انطلاقاً من ذلك، لا شك أن لبنان بأمسّ الحاجة إليه. لكن أيّ مواطنين يعلّم هذا البلد، ولأي وطن يعدّهم؟ في ظل تاريخ لبنان الطويل من الحروب والنزاعات، وفي ظل تنامي الطائفية وكره الآخر، لا شك أن طيّ صفحة الماضي بعيد المنال ولا شك أن الحديث عن "التربية من أجل السلام" أشبه بحديث الطرشان. فالكثير من الدراسات التي أجراها باحثون لصالح منظمة اليونيسيف التابعة للأمم المتحدة، أشارت إلى أن هناك بذوراً للتعليم من أجل السلام، بأشكال مختلفة وبتسميات مغايرة، تحتاج إلى التطوير في لبنان.

بادرت وزارة التربية والتعليم العالي اللبنانية إلى فرض برنامج للتربية المدنية في المناهج الجديدة التي تعتبر جزءاً من التربية من أجل السلام وتتضمّن مواضيع عدة كالمواطنة وحق التصويت وحماية الحقوق والحريات العامة. لكن، هل تكفي ساعة واحدة في الأسبوع من مادة التربية المدنية لتسليح الطالب في وجه بيئة طائفية ومُسيّسة يحكمها الفساد و"الواسطة"؟ كثيرة هي الشوائب في منهج التربية المدنية؛ إذ البرنامج كلاسيكي وبعيد عن أي نوع من أنواع التمارين التطبيقية. يبقى الأهم أن المعلّم يؤدي واجبه المهني ويشرح الدروس بشكل ممتاز، في حين أن همّ الطلاب انجاز الفروض ونيل علامات جيدة والنجاح في الامتحان… والسلام عليكم.

أضف إلى ذلك بعض الجوانب في المواضيع ذاتها التي تحتاج إلى تعديل. على سبيل المثال، يخبرنا د. هارفي عويجان، دكتور في القيادة والإدارة التربوية، أن صورة في أحد كتب التربية المدنية تكشف رجلاً يخرج من المنزل مع محفظة أوراق، في حين تودّعه زوجته مرتدية مريلة مطبخ برفقة ابنتهما. ويضيف:  "برأيي، هذا تمييز بين الجنسين غير مقصود، يظهر أن الزوج يذهب إلى العمل فيما تهتم الزوجة بالشؤون المنزلية. في القرن الواحد والعشرين، لم تعد هذه الفكرة مقبولة، لاسيما أن المرأة اليوم أمامها خيارات عدة؛ فهي ترتاد الجامعة، تتعلّم وتعمل. قد تختار بمحض إرادتها البقاء في المنزل، إلا أن الصورة لا تعكس كل إمكانياتها وقدراتها على نيل وظيفة."

تبقى المشكلة الأكبر في غياب مفاهيم التربية على السلام بشكل واضح داخل كتب التربية الوطنية والتاريخ والجغرافيا، إضافة لغياب التوافق حول مادة التاريخ في لبنان، مما يحول دون القدرة على  بناء ذاكرة جماعية والحدّ من الانقسامات الطائفية وتعزيز الانتماء الوطني.

الإرادة لتحقيق هذه الأهداف موجودة في المدارس. فبحسب د. عويجان الذي أجرى مقابلات مع عدد من مدراء المدارس الذين يمثلون مختلف المشارب السياسية والدينية في لبنان،  تكمن المشكلة في أن كل مدير يملك تعريفاً مختلفاً عن السلام. وبالطبع، يرتبط الأمر بانتماءاته السياسية والدينية". لكن، رغم هذا الاختلاف، يبدون استعدادهم لتطبيق أي برنامج للسلام  "شرط ألا يتعارض مع مبادئهم"  ويضيف، على سبيل المثال:  "أحد المدراء أبدى استعداده لإدراج برنامج السلام في مدرسته شرط ألا يتناول السلام مع اسرائيل". باختصار "طالما أن الدين والسياسة يتداخلان مع شؤون التعليم، لا مستقبل للتعليم من أجل السلام الحقيقي في لبنان أو حتى في العالم."

ولكن، بين مطرقة السياسة وسندان الدين، لا يبدو أن السلام يلوح في أفق لبنان. قبل الحديث عن إدراج التعليم من أجل السلام الموحّد في المناهج الدراسية، أكان في المدارس الخاصة أم الرسمية، يجدر باللبنانيين تحقيق العدالة الانتقالية كخطوة أولى لبناء وطن لكل أبنائه وللتخلّص من ترسّبات الماضي وإلا باءت كل المحاولات بالفشل.

لا شك أن الطريق طويل ومليء بالمطبّات، غير أن الإيمان بغد أفضل يجب أن يتبلور إلى صيغ عملية وفعالة كي لا يبقى حبراً على ورق. وكما يؤمن  د. عويجان بأن "مهمة الأساتذة أن يحضّروا الأجيال الشابة لتصبح أداة للتغيير الإيجابي، ليصبح شباب لبنان من مواطني العالم".

باميلا كسرواني

صحافية لبنانية عملت في مجال الصحافة المرئية والمسموعة وتعمل في الصحافة الإلكترونية بين دبي ولبنان. تحمل ماجستير في الإعلام من جامعة السوربون الفرنسية.

التعليقات

المقال التالي