وانطلقت الحروف من أسوارها

وانطلقت الحروف من أسوارها

أدار الحارس المفتاح في قفل الزنزانة، صدأ خمسة وثمانين عاماً يرتفع صريراً يملأ الأسماع، يفرك السجناء أعينهم غير مصدقين أنهم سيرون ضوء الشمس مرة أخرى بعد غياب طال كثيراً، يخرجون سراعاً من الزنزانة ليعودوا إلى بيوتهم مرة أخرى، إلى حناجر وعقول الأكراد، إلى كتبهم وأوراقهم وقصصهم وأشعارهم. عادت الحروف الثلاثة من الكرمانجية الكردية (القاف Q، الخاء X، الواو W) بعد غياب قسري فرضته الدولة التركية عليها منذ عام 1928، وعاد للكرد شيء من أبجديتهم التي اختفت بقرار تركي خوفاً من تلك الحروف "الانفصالية" التي لا توجد في اللغة التركية.

بدافع من شعوره العميق بأن من أهم أسباب ضعف ونهاية الدولة العثمانية هو هذا التنوع الإثني والثقافي والروابط العميقة مع الشرق، سعى مؤسس تركيا الحديثة، مصطفى كمال أتاتورك إلى تغريب بلاده ودفعها نحو أوروبا المتحضرة والانطلاق بعيداً عن قيود الجغرافيا والدين والتاريخ التي قادت برأيه إلى نهاية الدولة العثمانية. ضمن سعيه لترسيخ هذا التغريب، قام أتاتورك بتغيير الأحرف العربية المستعملة في كتابة التركية العثمانية إلى الأحرف اللاتينية. كما تم حظر ااستعمال أي حرف لا يستعمل في التركية، وألقيت الحروف Q,W,X في غياهب السجن بموجب هذه المادة وحرم استعمالها في الأسماء الكردية مثل welat التي تعني وطن، xebat التي تعني نضال أو عمل، xelat التي تعني هدية، xanim التي تعني سيدة، وغيرها من الكلمات التي تحوي نفس تلك الحروف.

حتى أوائل التسعينيات، كان من الممنوع التحدث بالكردية علناً. وقد كان المنع الشفهي أصعب تطبيقاً من المنع الكتابي. فعلى سبيل المثال، كانت عقوبة الفلاح الكردي الذي يتحدث الكردية وهو يبيع بضاعته في المدن الكبيرة أن يدفع 5 قروش غرامة على كل كلمة كردية ينطق بها، في وقت كان سعر الخروف 50 قرشاً. ولم يسلم من هذا المنع حتى بعض القواميس الكردية/ التركية التي طبعت في تركيا والتي تم منعها فوراً وإحالة ناشريها إلى المحاكم ليمضوا بضعة أشهر في السجن بتهمة الترويج للانفصال. قبل بضع سنوات، وبالتحديد عام 2007، كان استعمال هذه الأحرف إشكالياً، حين تم رفع قضية ضد عمدة مدينة جنوبية بتهمة إرسال تهنئة بعيد "Newruz" النيروز ومعناه "يوم جديد" بدلاً من أن يكتبها "Nevruz" وهو اللفظ البديل للحرف المفقود في الأبجدية التركية. وتم إسقاط القضية لاحقاً، إلا أن هذه الحادثة تلقي الضوء على ما عانته الأقليات عموماً وليس الأكراد فقط في تركيا.

لقد كانت كل هذه الإجراءات تطبيقاً صارماً لنظرية "اللغة الشمس"، التي تم تبنيها عام 1935، والتي تفترض أن تركيا هي مهد الحضارات وأن لغتها هي أصل كل اللغات، وأن الكرد ما هم إلا أتراك في الأصل أضاعوا لغتهم الأم وهويتهم بسبب سكنهم في الجبال الوعرة، ولهذا كان يُشار إليهم على أنهم "أتراك الجبل". بهذا تم إلغاء أمة كاملة من الوجود وإلحاقها كمواطنين تائهين تعمل الدولة على إعادة ذاكرتهم لهم.

الكرمانجية الكردية، وهي لغة أكراد تركيا الذين يبلغون ما يقارب 20% من مجمل السكان، وتعتبر لغة أغلبية الشعب الكردي الموزع بين دول عديدة من ضمنها تركيا والعراق وإيران وسوريا، تحتوي على 31 حرفاً هجائياً تُكتب في تركيا بالأحرف اللاتينية. لم يقتصر المنع حينها على تلك الحروف الثلاثة، بل كان تدريس الكردية والحديث العلني بها ممنوعاً، واستغرق الأمر من الدولة التركية أكثر من ثمانية عقود لتسمح في حزمة إصلاحات ديمقراطية أعلن عنها رئيس الوزراء التركي الإسلامي، رجب طيب أردوغان مؤخراً، بإعادة استعمال تلك الحروف وتسجيل أسماء المواليد التي تحملها، إضافة إلى السماح بتدريس الكردية في المدارس الخاصة، وليس الحكومية، والسماح أيضاً بإعادة تسمية القرى، وليس المدن الرئيسية، في جنوب تركيا بأسماء كردية، ورفع لافتات باللغة الكردية في الحملات الانتخابية في المناطق الكردية. كما تضمنت الحزمة إلغاء قسم الصباح الذي يردده طلاب المدارس والذي يقول "أنا تركي، أنا على حق، أعمل بدأب".

لقد كان هذا المنع أوضح صورة لحملة التتريك وحالة الإقصاء التي تبنتها الدولة التركية تجاه الأقليات، وهو تجسيد للفكر الوطني التركي المتشدد الذي يمتد إلى ما قبل الدولة الأتاتوركية، ويظهر جلياً فيما كتبه الشاعر التركي كمال نامق عام 1878: "هل يجب علينا ونحن نحاول إلغاء كل اللغات في بلدنا، ما عدا التركية، أن نعطي الألبان والكرد وغيرهم أبجدية مختلفة لتستعمل كسلاح للانفصال؟ إن اللغة قد تشكل حاجزأً أقوى من الدين في منع التغيير الاجتماعي". هذه النظرة تجاه متطلبات التطور، والتي تنظر للأقليات وثقافتهم على أنها عوائق خطيرة قد تؤدي لتفكك الدولة أو على الأقل عرقلة مسيرتها نحو التغريب والحداثة وصلت أقصى مدى لها بعد انقلاب عام 1980، حيث استمرت الحكومة في إدارة المناطق الكردية بأسلوب "استعماري" ودعا الجيش في مذكرة سرية وزعت آنذاك إلى اتباع سياسة مزج الأكراد بالأتراك الآخرين لقمع الشعور الانفصالي لديهم باعتبارهم "القوة الأكثر تقسيماً وتدميراً" للبلاد، حسبما ورد في مذكرة عسكرية سرية وزعت عام 1982 من قبل قيادة القوات البرية.

إضافة لكل هذه الإجراءات، فقد تم عن طريق وسائل الإعلام تعميم صورة نمطية عن الأكراد، ممن يتحدثون التركية بلكنة واضحة، تظهرهم على أنهم قليلو الثقافة وغير متمدنين بما فيه الكفاية، وبهذا فقد أصبحت اللغة الكردية مرادفاً للجهل والتخلف في الذهنية التركية. ولكن مع بداية عقد التسعينيات، ومع تزايد الرغبة التركية في الانضمام للاتحاد الأوربي وبالتالي تلبية الشروط الأوربية في رفع هذه القيود باعتبارها انتهاكات لحقوق مواطنين في الدولة التركية، شهدت تركيا تراخياً في تطبيق هذه القيود مع إصدار الرئيس التركي الأسبق تورغوت أوزال قراراً برفع الحظر عن استعمال اللغة الكردية عام 1991.

كان هذا التوجه فاتحة لمزيد من تخفيف القيود المفروضة على اللغة والثقافة الكردية في تركيا. فقد بدأت الحروف المشابهة للحروف الكردية الممنوعة تظهر في أسماء شبكات تلفزيونية تركية Show TV، وانتشرت الفضائيات التي تتحدث بالكردية إضافة إلى المطربين الأكراد من تركيا الذين بدأوا يكتسبون شهرة وهم يغنون بلغتهم الأم.  فقد اعتاد الأتراك منذ سنوات أن يستمتعوا بصوت المطرب الكردي التركي الشهير إبراهيم تاتليسس، والذي بدأ منذ تخفيف الحظر على الكردية بالغناء بلغته الأم وأداء الدبكة الكردية المعروفة في حفلاته.

وهو تطور كبير إذا ما قيس بما حدث للمطرب الكردي أحمد قايا الذي غادر تركيا هارباً من قضايا رفعت ضده تتهمه بالانفصالية بعد أن أعرب في حفل تلفزيوني عام 1999 معد لتكريمه كفنان العام، عن رغبته في الغناء بالكردية إلى جانب التركية مما أحدث لغطاً حينها ووقف الجمهور التركي يغني النشيد الوطني التركي، وأُجبر أحمد قايا على الانسحاب من الحفل ومن ثم ذهب إلى منفاه الاختياري في فرنسا لحين وفاته عام 2000.

إضافة للمحطات الفضائية الكردية، فإن للقناة الرسمية التركية TRT قناة فرعية، TRT6، تبث بالكردية فقط ويمكن للمطلع أن يرى، حتى قبل صدور القرار رسمياً، كل الأحرف الممنوعة وهي تستعمل في موقع القناة على الانترنت.

وهكذا، كان القرار الحكومي الرسمي شهادة وفاة صدرت لميت توفي منذ فترة ليست بالقصيرة. لقد بدأت جدران المنع تتهاوى، وبدأت "الإبادة اللغوية" حسب تعبير الباحث الكردي ويلات زيدانلي أوغلو Welat Zeydanlioglu تتراجع وإن كانت قد تركت آثاراً سلبية على لغة الشعب الكردي التي عانت من جهل بعض أبنائها بها وقلة استعمالهم لها. "إن الكرمانجية في أزمة عميقة الآن" يقول زيدانلي أوغلو، فاللغة كائن حي يتطور ويزدهر بالاستعمال والتلاقح مع مفردات الحياة الحديثة، وهذا ما مُنعت اللغة الكردية منه لسنوات طويلة. في المقابل نرى تعاطفاً وتفهماً من بعض الإعلاميين الأتراك، بل ومن بعض القوى السياسية مثل حزب السلام والديمقراطية الكردي التركي المعارض BDP. علقت جولتن كيساناك Gulten Kisanak، القيادية في هذا الحزب على هذه الحزمة من الاصلاحات بقولها "إنه من الإهانة للكرد أن نقول لهم إنهم يستطيعون تعلم لغتهم الأم فقط، إذا دفعوا مقابلاً مادياً".

إن أهمية هذا القرار لا تكمن فقط في تحرير الحروف الكردية من زنازين الفكر الأحادي، ولكن في فتح الأبواب أمام ذلك الفكر ليرى عالم اليوم بألوانه المتنوعة، بدلاً من جهاز الأبيض والأسود العتيق الذي كان يشاهده منذ عقود طويلة. فهل يعد هذا القرار مقدمة حقيقية لتغيير في عقلية الإقصاء وإنكار الآخر في تركيا، ونهاية لسياسة تتريك الأقليات؟ وهل يتراجع الفكر الكمالي المتخندق في أطلال التاريخ أمام أمواج التغيير التي تدق بقوة على أبوابه؟

علي أديب

علي أديب صحفي عراقي عمل في بغداد مع جريدة نيويورك تايمز ثم انتقل إلى الولايات المتحدة حيث حصل على الماجستير في الاعلام من جامعة نيويورك. يعمل كمدرس في قسم دراسات الشرق الأوسط في جامعة نيويورك وله إسهامات إعلامية في الجزيرة أمريكا، وPBS ويكتب بشكل مستمر لرصيف22.

التعليقات

المقال التالي