عزيزي الأصولي أسقني الثقافة العربية لا تحريمك

عزيزي الأصولي أسقني الثقافة العربية لا تحريمك

عزيزي الأصولي العربي الشاب، خلال السنوات الأخيرة أتحفتني بثقافة تحريمك. فتارة تريد أن تقطع مشاهد القبل والعريّ من أفلام السينما، وتارة تهجم على سينما أو معرض فني وتطالب بإغلاقه، وتمنع كتاباً هنا وفيلماً هناك... فاسمح لي أن أعرفك على الثقافة العربية التي تبدو وكأنك دخيل عليها، مع أنه مثلي مثل حالك ولدنا في نفس الوطن العربي ونطقنا نفس الضاد. لكن لا بأس، لا بد أن نتحاور ونتناقش لأننا، لا أنت ولا أنا،  اخترنا  أن نكون عرباً بل ولدنا كذلك. لن أغوص معك في تطور الفكر الثقافي العربي المعاصر ولكن فلنعد ولنتذكر سوية أغنيات طربية سبقت مولدنا أنت وأنا، وأصبحت جزءاً لا يتجزء من الثقافة العربية، لا بد أنك سمعتها مراراً وتكراراً وتربيت عليها مثل كل مواطن عربي. دعك من النجس والدنس والفحشاء التي صدرها إلينا الغرب، فلنبحث في أغاني أمثال أم كلثوم وأسمهان وصباح فخري عن مرآة لثقافة عربية يبدو أننا نختلف عليها.


بداية، لا بد أننا نتفق أن أم كلثوم كانت مطربة القرن العشرين بامتياز. فقد أطربتنا منذ بدايته حتى نهايته، بما مرّ خلاله من تقلبات سياسية، واجتماعية، وثقافية، استطاعت مواكبتها، لا بل يمكن قراءة جزء كبير من تاريخ مصر والأمة العربية عبر أغانيها. كان لأم كلثوم علاقة وطيدة بالسلطة منذ أيام الملك فاروق، مروراً بجمال عبد الناصر، وصولاً إلى أنور السادات، وهي غنت تلك المراحل بصوتها. كما كانت أغانيها مرآةً للمجتمع، كذلك كانت للفرد المصري بشكل خاص، والعربي بشكل عام. لذلك، استطاع كلّ مستمع أن يجد في أغاني كوكب الشرق كلمات تحاكيه، أو تتكلم عنه، في فرحه، وعشقه، وحزنه، وهزيمته، وانتصاره. لا بد أنك تعلم أنها غنت لأمير الشعراء أحمد شوقي "نهج البردة" في مديح الرسول. أما "الست" فعُرف عنها بأنّها لم تكن تشرب الخمر. ذلك التمنع عن الشرب يصفه أيضاً أحمد شوقي في أغنية "سلوا كؤوس الطلا". إذ إنّه في أول لقاء جمعه بكوكب الشرق، أُعجب شوقي جداً بصوتها. وفي نهاية الحفل تقدم منها ليهنئها، مقدماً لها كأساً. فرفعت الكأس احتراماً حتى شفاهها، ولكنّها لم تشرب منه. أُعجب أحمد شوقي يومها بلباقة تصرف الستّ، فكتب لها قصيدة يفتتح مطلعها بـ"سلوا كؤوس الطلا هل لامستْ فاها، واستخبروا الراح هل مسّتْ ثناياها"، وأرسلها لها في اليوم التالي. قبلت أم كلثوم القصيدة هدية من أحمد شوقي، لكنها انتظرت سنوات بعد رحيل أمير الشعراء لتطلب من الملحن رياض السنباطي تلحينها، فغنتها سنة 1944، معدّلة بعض الأبيات عبر حذف ذكر اسمها منها. إذ إن أمير الشعراء في الأبيات اللاحقة  يتوجه إلى "ثومة" سائلاً "ما ضرّ لو جعلتْ كأسي مراشفها؟"، رغبة منه في أن تشرب من كأسه، لتعود شفاهه فتلمس المكان ذاته من الكأس.


نعم أم كلثوم لم تكن تشرب الخمرة، وإن كان ذلك انطلاقاً من اعتقاد ديني أم لا، لكنّها غنّت عن الخمر والسكارى كجزء من المجتمع الذي عاشت فيه، وتعايشت معه. من المؤكد في ذلك الزمن أن تحريم الخمر أو غيره في الدين لم يكن معياراً تعتمده المطربات في اختيار كلمات الأغاني. لا بل كانت جودة العمل الفني، وتواصله مع المحيط الذي ينبثق منه هي المعايير الأساسية لذلك. وبما أن شرب الخمر كان وما يزال جزءاً من الممارسات الاجتماعية، كان لا بد أن يجد مكانة في أغنيات كوكب الشرق. أما في أغنية "الأطلال" التي كتب كلماتها الشاعر إبراهيم ناجي، وغنتها أم كلثوم في عام 1966 لأول مرة، تتحدث كوكب الشرق عن فقدانها للمحبوب مخاطبةً قلبها: "يـا فؤادي لا تسلْ أين الهوى"، بل "اسقني واشربْ على أَطلالها". هكذا تجد في الخمر علاجاً من الأسى عبر النسيان ”فتعلَّمْ كيف تَنسى، وتعلَّمْ كيف تمْحو". ثم تتابع الأغنية في وصف حالة السكر والفرح والضحك مع الندماء: ”وضحكنا ضحْكَ طفلين معاً"، إلى مرحلة اليقظة ما بعد السكر، متمنية عدم زوال مفعول الخمر: "وأَفقنا ليت أنّا لا نُفيق". لتعود وتختم سائلةً الحب إن رأى هكذا سُكارى، علماً أنّ تلك الأبيات الأخيرة أضيفت إلى الأغنية من قصيدة أخرى للشاعر نفسه.


تعلم جيداً أن وصف الخمرة والتغزل بها وبمفعولها ليس جديداً على الثقافة العربية، رغم تنصل البعض حالياً من ذكرها، أو التنكر لوجودها. وإن كان الشعر خير مؤرّخ لتفاصيل المجتمع التي تتجاهلها كتب التاريخ وسائر النصوص الرسمية، فإنّ للخمرة منزلة عزيزة في الشعر العربي، منذ عصر الجاهلية حتى يومنا هذا. من المؤكد أنّ ظهور الإسلام قلص تلك الظاهرة في العالم العربي، أو التكلم عنها علناً على الأقل، ولكن الأبيات الشعرية تظل شاهدة ولا يمكن تجاهلها. يبقى أبو النواس مثالاً مجاهراً بعشقه للخمر علناً: "ألا فاسقني خمراً وقل لي: هيَ الخمرُ، ولا تسقني سرّاً إذا أمكن الجهرُ، فما العيْشُ إلاّ سكرَة بعد سكرة، فإن طال هذا عندَهُ قَصُرَ الدهرُ". وأبو النواس، المعروف بشاعر الخمرة، عاش في العصر العباسي في أواخر القرن الثامن، متنقلاً ما بين البصرة وبغداد ودمشق والقاهرة، وكان مقرباً جداً من الخليفة المسلم هارون الرشيد، ثم من ابنه الخليفة الأمين.


شاعر الخمرة ذاك، وبعد قرون عديدة، سوف يجتمع مع عمر الخيام ليسكرا سوية في ليلة كلثوميّة. "هلّ في ليلتي خيالُ الندامى والنُواسيُّ عانق الخيّاما، وتساقَوا من خاطري الأحلام وأحبوا وأسكروا الأياما". إنه بيت في أغنية "هذه ليلتي" التي كتبها الشاعر اللبناني جورج جرداق لأم كلثوم. في هذه الأغنية، لا تكتفي كوكب الشرق بوصف ليلتها بليلة سكرٍ وخمرٍ، بل توصّف عبرهما الفرحة التي تغمرها بقرب الحبيب، وتتغزل بمعشوقها كونه هو خمرتها: "يا حبيبي وأنت خمري وكأسي، ومنى خاطري وبهجة أنسي".  ودعنا لا ننسى أنّ أم كلثوم هي ابنة المؤذن إبراهيم البلتاجي، وبرعت في تجويد القرآن والأناشيد الدينية، لكنها غنت ومنذ بداية حياتها المهنية عام 1925 "الخلاعة والدلاعة مذهبي/ من زمان أهوى صفاها والنبي". حينها كانت الفنانة الجديدة الصاعدة تودّ منافسة سلطانة الطرب منيرة المهدية، التي اشتهرت بتغنّيها بلذّات الحياة، في عقر دارها.


دعنا من أم كلثوم، فلنتجه قليلاً نحو بلاد الشام. فإن لأسمهان أغنية تتخطى فيها ذكر الخمر إلى اللذة الجنسية في الشرب: "صُبّها من شفتَيك في شَفتي". وقد تكون قصيدة "أسقنيها بأبي أنت وأمي" التي كتبها الأخطل الصغير من أجرأ ما غنته أسمهان: "ولماك في فمي فديت فاك، هل أراك وعلى قلبي يداك ورضاك، هكذا أهل الغزل كلما خافوا الملل أنعشوه بالقبل". وماذا عن سيد القدود الحلبية والموشحات صباح فخري، فلا بد أنك شاهدت الملايين من العرب يتراقصون على نغمات "خمرة الحب إسقنيها"، وصباح فخري ينطرب ويكرر "خمرة الروح القبل... صليني، بالنبي، صليني".


عزيزي الأصولي العربي الشاب، تلك ليست إلا أمثلة قليلة من زمن الماضي، وكل ما وددت أن أقوله لك: إن استمرارك في نزعتك التحريمية الأصولية قد تؤجج تصادماً لن يستطيع أحد فيه أن يلغي الآخر، ولكننا سوف نقضي على ثقافتنا العربية. فلا تشرب الخمرة (وجميع محرماتك) ولا تغنيها، ولكن عزيزي أسقني الثقافة العربية وليس تحريمك. نهاية وقبل الوداع، أتركك مع أغنية "يا جارة الوادي" التي كتب كلماتها أحمد شوقي ولا تخلو من الغزل الإباحيّ، ولكن انصحك بنسخة غنتها المطربة اللبنانية نور الهدى بدون موسيقى، فإنها الأجمل.

كلمات مفتاحية
فن

التعليقات

المقال التالي