فلسطين متحفاً حياً، بدون متاحف!

فلسطين متحفاً حياً، بدون متاحف!

لا تفتقر فلسطين إلى المتاحف الأثرية التي تكافئ تاريخها بوصفها مهد الرسالات والحضارات فقط؛ بل إنها فقيرة أيضاً بالمتاحف الفنية التي توثق أعمال ومشاريع أبنائها الفنانين المقيمين في الداخل وفي الشتات. كاد يقتصر وجود متاحف فنية فلسطينية على عدد من التجارب التي تأخذ أشكالاً مختلفة، فإما هي متاحف افتراضية، أو مؤقتة، أو متنقلة. وقد كثر الحديث عن مشاريع متحفية في الفترة الأخيرة... إلا أنه حديث يساهم في بلْوَرة التصورات الشائعة عن مفهوم المتحف الفلسطيني "غير المستقر".

اعلان


المتاحف التي أخذت شكلاً افتراضياً، كان الهدف منها تغطية النقص في عدد المتاحف الفعلية على الأرض، بينما المتاحف المؤقتة، والتي تشبه الغرف أحياناً، فتقوم على مواصفات عالمية لاستقبال عمل عالمي، إلا أن هذا النوع من المتاحف يغلق بعد أن ينجز مهمّته. ومن المتاحف، أيضاً، ما انتهت عملية تخطيطه على الورق، إلا أنه لم ير النور على أرض الواقع. ثمة تجربة أخرى برزت كأمل جدّي في بناء متحف في بير زيت، مزود بمتحف رقمي.

يعد "المتحف الفلسطيني لتاريخ الطبيعة والإنسان"، الذي أسسه الفنان خليل رباح (من مواليد 1961، وهو يقول إن هذا التاريخ، تاريخ مولده، هو تاريخ إنشاء المتحف أيضاً)، واحداً من التجارب الأولى التي اتخذت الطابع الافتراضي. يملأ هذا المتحف، الذي هو بحد ذاته عمل ومداخلة فنية، نقص المتاحف في فلسطين. وهو  أولى المبادرات التي تطرقت إلى فكرة وجود المتحف الفلسطيني. احتوى المتحف أعمالاً تعكس البيئة الفلسطينية، بدءاً من الطبيعة، مثل شجرة الزيتون، وليس انتهاء بأرشيف للفن الفلسطيني المعاصر. منذ إنشائه حتى اليوم، يقوم الفنان خليل رباح بنقل أرشيف هذا المتحف و نشاطاته ليعرضه في مناطق مختلفة، في فلسطين وحول العالم.

أما المثال الثاني، والفعلي لإنشاء متحف مؤقت، فكان مع "بيكاسو في فلسطين". تمهيداً لوصول لوحة "تمثال تصفي لامرأة" (1943)، جُهّزت غرفة واحدة بمواصفات عالمية، داخل مبنى الأكاديمية الدولية للفنون في رام الله. غرفة واحدة، كانت هي المتحف الذي عُرضت فيه لوحة بيكاسو المستعارة من متحف Van Abbemuseum في هولندا. بعد انتهاء العرض، أعيدت الغرفة الى طبيعتها التي كانت عليها، وأغلق المتحف. تم تجهيز هذه الغرفة بكامل المواصفات المتحفية اللازمة لمنع الرطوبة أو تلف اللوحة بأي شكل من الأشكال. كما فرضت قوانين صارمة على الحاضرين إلى الغرفة/ المتحف، مثل عدم السماح لأكثر من شخصين بالدخول اليها. أما الأبرز، فكان تكليف حارسَيْن يرتديان زيّاً عسكرياً بالوقوف إلى جانبي اللوحة (يكادان يلتصقان بها!) لحمايتها. من جهة أخرى، فإن نقل اللوحة إلى فلسطين لم يكن بالأمر السهل، حيث أن نقلها من المتحف في هولندا تطلب شروطاً لم تتطابق مع مواصفات جهاز الأمن الفلسطيني، ما اضطرهم إلى الاستعانة بجهاز الأمن الإسرائيلي لإدخالها إلى رام الله!

untitled

أول فكرة لبناء معرض دائم يختص في الفن الفلسطيني الحديث والمعاصر، نشأت لدى مؤسسة حوش الفن الفلسطيني. تبلورت فكرة إنشاء أول "متحف للفن الفلسطيني" في القدس مع الهبة التي قدمها المحامي مازن قبطي وزوجته ايفيت بشاره إلى مؤسسة الحوش. كانت الهبة عبارة عن مقتنياتهما الفنية الخاصة من مشغولات وأعمال لفنانين فلسطينيين منذ أوائل القرن العشرين، مثل تيسير شرف ونبيل عناني وعبد عابدي ورنا بشاره وسليمان منصور. هكذا، يجري العمل والتحضير لإنشاء المتحف منذ عام 2004، لكن المؤسسة تواجه صعوبات في إمكانية الحصول على ترخيص للمتحف من بلدية القدس، وشراء عقار في مدينة القدس لإنشاء المتحف عليها، وهو ما حال دون إبصاره النور حتى الآن!

أما المحاولة الأخيرة حتى الآن، والأبرز، فهي مشروع "المتحف الفلسطيني" الذي وضع حجر الأساس له في نيسان (أبريل) 2013. يعمل على مشروع المتحف فريق مكون من عشرة خبراء فلسطينيين، غالبيتهم من المقيمين في الشتات، بإدارة المعدّ الفني جاك بارسيكيان. لا يقتصر دور "المتحف الفلسطيني" على جمع المقتنيات المتعلقة بالتراث الفلسطيني فحسب، بل يعمل على ربط الثقافة الفلسطينية في الداخل والخارج، وخلق حوار معاصر حول مفهوم الذاكرة. يقول مدير المتحف جاك بارسيكيان إنه إضافة إلى المجموعات القيمة من التحف الفنية والعلمية والتاريخية، سيركز المتحف على كل ما يتعلق بالثقافة الفلسطينية بمفهومها العريض وعلاقاتها مع الثقافات الأخرى في العالم والمجتمع المعاصر، ليشمل أيضاً كل ما يؤرخ ويصف ويوثق الحياة الفلسطينية بكل مكوناتها. وسيضم المتحف وثائق ومخطوطات ومواداً مكتوبة، ورقمية، متوافرة بصرياً وسمعياً، لإبداعات وإنتاجات المبدعين في الوطن والمهجر. كما سيضم أفلاماً وصوراً وثائقية تتناول مراحل الحياة الفلسطينية المختلفة بدءاً من مطلع القرن التاسع عشر. ويطرح المتحف حلاً لجمع الثقافة والتراث للفلسطيني في الداخل وفي الشتات وذلك عبر الاستناد إلى شبكة رقمية متطورة تمكنه الوصول إلى الفلسطينين أينما كانوا. سوف يجري إنشاء "المتحف الفلسطيني" في مدينة بيرزيت بالقرب من مدينة رام الله، وذلك على مرحلتين. ومن المتوقع أن يفتح أبوابه أمام الزوار في خريف عام 2014.

التعليقات

المقال التالي