صورة الفقير في السينما المصرية

صورة الفقير في السينما المصرية

"في أيامنا كان الفقير في مصر مختلفاً عن الفقير في هذه الأيام!" لطالما سمعنا مثل هذه الجملة من جدّاتنا وأمهاتنا ونحن أطفال. حين نعيد مشاهدة الأفلام المصرية في فترة الحرب العالمية الثانية، وما بعدها، يتضح لنا أن هناك اختلافات حقيقية بين صورة الفقير حينها، وصورته في الفترات اللاحقة، بدأً بمرحلة الانفتاح الرأسمالي في السبعينات، وصولاً الى سينما ما بعد الألفية الجديدة. ليست اختلافات في نوع الفقر، وجودة الحياة، بقدر ما هي تباينات واضحة في موقف شخصية الفقير في السينما المصرية من العالم، ورد فعله تجاه مجتمعه.

نجيب الريحاني، الممثل المصري ذو الأصول العراقية (1889 – 1949)، الذي اشتهر بأدوار الموظف البسيط سيئ الحظ في فترة الحرب العالمية الثانية، قام بترسيخ صورة ذهنية سينمائية لفقير متعلم ولمـّاح يوقعه فقر حاله وسوء حظه في مواقف حرجة وقاسية، لكنها لا تخلو من فكاهة أقرب ما تكون للكوميديا السوداء، وهو فقير مسالم وطيب القلب، لا يطمع في ما يملكه غيره، بقدر ما يرجو من هذا العالم القاسي أن يرحم حاله، ومن الحظ السيئ أن يبتسم في وجهه. مثلاً في فيلم "سلامه في خير" 1937 تجده يعمل ساعياً في أحد المحلات التجارية يتم إرساله للبنك لإيداع مبلغ نقدي، لكنه يتأخر عن الموعد بسبب مشاجرة مع أحد جيرانه، فيعود للمحل ليجده مغلقاً، ولخوفه على الأمانة التي يحملها يضطر للمبيت في فندق حتى الصباح محتفظاً بالنقود في خزينة الفندق. على الرغم مما تتعرض له شخصية نجيب الريحاني "الساعي البسيط" من سوء حظ، و مواقف محرجة، نجده راضياً عن حاله، مسالماً، لا يشغل باله إلا الأمانة التي يجب أن يسلمها للبنك في الصباح التالي، فهو ليس ناقماً على المجتمع، رغم سخريته اللاذعة منه، و لكنها سخرية طيبة القلب، سخرية قليل الحيلة في موقف من يدافع عن إنسانيته بالنكات.

هناك نوع آخر من الفقر وبساطة الحال في سينما ما بعد الحرب العالمية الثانية، يتمثل في فيلم "معلش يا زهر" 1950. يجسد فيه "زكي رستم"، أحد أعظم ممثلي تلك الحقبة، دور "صابر أفندي" الموظف البسيط الذي لا يدرك تغير مجتمع لم يعد يعتبر الوظيفة الثابتة المعيار الوحيد للاحترام والتقدير، فيرفض زواج ابنته من ابن البقال الذي تحبه، فتهرب معه و تتزوجه. "صابر أفندي" الموظف البسيط يعدّ من الفقراء والمتعثرين مالياً طبقاً للصورة التي يقدمها الفيلم. نجده يسكن شقّة كبيرة، جيدة الأثاث، ويوظف "شغالة" خاصة لتساعد زوجته في أمور المنزل. ينتهي الفيلم بتركه للوظيفة، واختياره العمل الحر لتحسين مستواه الاجتماعي.

تشهد الأفلام المصرية نقلة نوعية في صورة الفقير المقدمة في الأفلام المصرية نهاية السبعينات. تحديداً في أفلام "عادل إمام"، في بداية حصوله على أدوار البطولة. يقدّم إمام صورة الفقير الريفي الساذج القادم إلى العاصمة لأول مرة في فيلم "رجب فوق صفيح ساخن".  يقع رجب في حبائل النصابين فيسرقون نقوده، لينضم إليهم بعد عدة مغامرات ويبدأ معهم حياة جديدة، ثم انتقل بعد ذلك إلى تقديم أدوار فقيرة من نوع آخر، في أفلام مثل "سلام يا صاحبي"، "على باب الوزير"، "المشبوه"، و"الغول". فقير يرتدي الجينز، ينطح المجتمع برأسه، ويدافع عن نفسه ضد قسوة المحيط بشراسة ولا أخلاقية أحياناً، تتناسب مع لا أخلاقية فترة الانفتاح الرأسمالي وما بعدها.

تلك الصورة التي قدمها عادل إمام كانت التمهيد الحقيقي لصورة الفقير في سينما ما بعد الألفية الجديدة، تظهر في أجلى صورها في فيلم "عبده موته" 2012، التي قدمها الممثل الشاب "محمد رمضان". فقير الأحياء العشوائية، الذي لا يعود مسالماً، فموقفه من العالم حوله موقف هجومي، عنيف. يحمل السلاح،  يفرض الأتاوات،  يغني و يرقص و يطلق الخرطوش، متعدد العلاقات النسائية، مفتول العضلات، غاضب، ناقم على المجتمع، وغير عابئ إلا بخلاصه الشخصي. إنها صورة سينمائية لفقير من العشوائيات تتشابه في كثير من الجوانب مع الصورة الهوليودية لتركيبة المجرم في هارلم  Harlem الفقيرة، في العنف والغضب والموسيقى والرقص، حتى طريقة حمل السلاح، وطبعاً في محاولته للخلاص الفردي.

إن تغير الصورة السينمائية لشخصية الفقير في السينما المصرية منذ الحرب العالمية الثانية، مروراً بالسبعينات، ووصولاً الى الألفية الجديدة، يتوازى مع شكل الفقر والتغير الاجتماعي في مصر، في علاقة طردية بين تغير نوع الفقر وقسوة قبضته على الفقراء، و بين رد فعل الشخصية؛ فسلمية شخصية "نجيب الريحاني"، في الثلاثينات والأربعينيات تحولت إلى شراسة عادل إمام في دفاعه عن موقع قدميه في مجتمع الانفتاح الرأسمالي في السبعينات، وصولاً إلى "عبده موته" في 2012، الذي لا يرغب فقط في لحظة ثبات على الأرض أمام هجمة الفقر، لكنه يهاجم العالم حوله بسلاحه، راغباً في أن يملك ما يملكه الأغنياء في مدينته القاسية.

التعليقات

المقال التالي