والأُذن تعشقُ...

والأُذن تعشقُ...

دقّات ساعة "Big Ben" في إذاعة لندن، أو موسيقى نشرة أخبار "مونتي كارلو"، كانت المغناطيس الجاذب للسمع. لا بدّ أن يبتدئ الصباح بإحدى هاتين الإذاعتين، أو كلتيهما، ليستطيع المرء اعتبار صباحه مكتملاً، إذا ما أضفنا فنجان القهوة، وبضع أغانٍ لفيروز.

كان للإذاعة أثر كالسحر منذ انطلاقتها العربية في ستينيات القرن العشرين، وصولاً إلى نهاية التسعينيات؛ ولم يقتصر الأمر على الأخبار فحسب، بل لا بدّ أن يتعدّى ذلك إلى الأغاني والبرامج التي شكّلت الطقوس اليومية، نهاراً وليلاً، عند معظم الناس، بحسب ما تجود بهم عليه الذبذبات الإذاعية الأوربية التي قد تخفت أحياناً، فيتجه المرء إلى الإذاعة المحلية.

أصوات المذيعات والمذيعين، التي تعدّدت عبر السنوات الطويلة لانتشار الإذاعة كوسيلة ترفيه شبه وحيدة، باتت الآن مجرد ذاكرة لأجيال لم تُغرها كثيراً الأضواء البراقة لشاشة التلفزيون، بل بقيت مخلصة للإذاعة، وكأنها الجدّة التي سنحسّ بوطأة كرسيّها الشاغر حين يرهقنا طوفان الصور على الشاشات.

يغرينا تذكّر الإذاعة ودورها المحوري الذي كان، بأن نحاول تفسير فقدانها في عصرنا الحالي، عصر الصورة. كأنّ الابتعاد قليلاً، والنظر بعين مراقب خارجي حيادي، سيساهم في رسم صورة أوضح، بعيداً عن وطأة الحنين أو إغواء تلك الحبيبة الغائبة.

بالصوت يشتعل الخيال. ربما تسبَّبَ الاندفاع المجنون، والجميل في آن، للصور على الشاشات بكبح قدرة الخلق والتخييل عند أبناء هذا العصر. لم تعد محاولة رسم ملامح المذيعات والمذيعين مغرية كما كانت، ربما لأن الصورة النمطية الموحِّدة للجميع موجودة أمامنا، ملء العين، بل ملء الحواس كافة. بل نكاد لا نبالغ لو قلنا إنها صورة واحدة مسحوبة بآلة تصوير مستندات، قد تختلف فيما بينها في بعض الرتوش الخارجية من لون أو اختلاف طفيفٍ في نبرة الصوت. ولم يعد تخيُّل مشهد المسلسل الإذاعي ضرورياً، إذ نجد أمامنا مسرح الأحداث بأدق تفاصيله، وألوانه، وزخرفاته، وتعابيره، ومشاعره، وقياسات ديكوراته.

ودون أن ننكر أهمية الصورة، كممثّل أوحد لهذا العصر، لا يمكننا (نحن الذين سنبلغ الثلاثين قريباً، كآخر جيل عايش تفرّد الإذاعة) إلا الحنين لما مضى؛ بل بالأحرى، الحنين لقدرة الخلق والابتكار التخييليّ الذي كنا نتبارى فيه من يستطيع رسم ملامح الصوت العذب لهيام حموي مثلاً، أو على الأقل، من بإمكانه تخيُّل أقرب صورة لها، قبل إدمان أصابعنا على نقر حروف "غوغل" على الكيبورد، كأول وأسرع وسيلة بحث عن نصّ أو صورة.

هل نبالغ لو قلنا إن المسلسلات التلفزيونية صورة باهتة لسابقاتها الإذاعية؟ أو، لو شئنا الدقة، ألم تكن معظم (وربما جميع!) محاولات إعادة طرح البرامج والمسلسلات الإذاعية بصيغة تلفزيونية مثيرةً للشفقة واليأس؟ وفيما لو اعتبرنا أنفسنا محقّين وعادلين في طرح الأسئلة السابقة، ألم يكن لتقييد الخيال دورٌ في إفشال تلك المحاولات المحبطة؟

فلنجرّب إغلاق أعيننا بضع دقائق، حين مشاهدة برنامج أو مسلسل ما على التلفزيون. ولنحاول تخيّل ما يحدث من مشاهد بعيننا الداخلية الأكثر دقة. ألن تكون النتيجة صورةً أجمل مما سنراه أمامنا حين نفتح أعيننا؟

بالطبع، لا نقصد، من كلامنا السابق، بأن صور الشاشات قد أساءت لنا، أو شوّهت حياتنا بشكل كامل، أو أنها سببٌ للتراجع، لا التقدم، على سلّم التطوّر. بالعكس، لكل زمان وسائل تعبيره التي تميّزه عن غيره، ابتداءً بإشعال النار، مروراً باختراع العجلة، وصولاً إلى الآي باد. لكن هي محاولة لإعادة الاعتبار إلى الحاسّة التي كدنا ننساها، بل وقمنا بخيانتها أحياناً؛ حاسة السّمع.

بالتأكيد، لم تختف الإذاعة من حياتنا. كلُّ ما في الأمر هي أنها تخلّت عن مكانها الأثير للحاسة المسيطرة الآن؛ النّظر. ولعلّها هرمت وآن أوان تقاعدها في زمن السرعة الفائقة. أو ربما، كما قد يدّعي عشّاق الإذاعة العنيدون (ككل العشّاق)، فإن محبوبتهم الإذاعة لم تهرم، بل أدركت أن الدّور الأول على الخشبة لم يعد لها، فتنحّت بهدوء وحكمة. لكنها لا تزال موجودة، ولو على شكل كومبارس عابر، وأثرها لا يزال موجوداً بشكل خفيّ، كعطر.

ألا يمكنكم أن تشعروا بها في نقرات الأصابع على عجلة القيادة في السيارات، أو رقصة السكاكين على ألواح تقطيع الخضار في المطابخ، أو نبض الدّماء في سيقان عدّائي الصباح؟

بل، ألا يمكنكم رؤيتها، بتلك العين الداخلية الباهرة، في كل الصور المتدافعة على الشاشات؟

أليست أميرة كل تلك التفاصيل؟

هل هو الحنين المبالغ به؟

ربما. ولكن أليس كلُّ عشق هو مبالغة من نوع ما؟

يمكنكم الاستماع لأول نشرة أخبار باللغة العربية من بي بي سي قبل 75 عاماً - 4 كانون الثاني 1938

تم نشر هذا المقال على الموقع بتاريخ 25.09.2013

التعليقات

المقال التالي