خالد خليفة “كأن مديح الكراهية كتبت عام 2013”

خالد خليفة “كأن مديح الكراهية كتبت عام 2013”

الروائي السوري خالد خليفة (49 عاماً) لا يعرف قيمة قائمة List Muse، لكنه يفخر بروايته "مديح الكراهية". لقد وضعته على نفس القائمة مع أعظم روائيي القرن العشرين.


لم يزل عنوان مكتب الروائي خالد خليفة مقاهي دمشق حيث يكتب. تجده اليوم جالساً في إحداها، بشارع الروضة الدمشقي سعيداً يتلقى التهنئة من جميع الوافدين إلى مقهى Pages الذي غالباً ما يرتاده الكتاب والممثلون والعاملون بالحركة الثقافية  في دمشق، لتصنيف روايته  “مديح الكراهية” - الممنوعة من التوزيع في سورية - ضمن قائمة List Muse مع رواد الرواية العالميين في القرن العشرين، كجان بول سارتر Jean Paul Sartre، ارنست همنغواي Ernest Hemingway، غابرييل غارسيا ماركيز Gabriel Garcia Marquez، ليو تولستوي Leo Tolstoy ونجيب محفوظ. جميع من دخل إلى المقهى ناداه بـ "الخال" وهو يسعد بهذا اللقب ويجده حميمياً، ولا يحب كلمة أستاذ. أهلاً بالخال، أو مبروك يا خال، كانت كافية لتملأ عينيه بسعادة غامرة.

اعلان



كتب على صفحته على فايسبوك الأسبوع الماضي "خطوة أخرى، روايتي “مديح الكراهية” في قائمة أفضل 100 رواية في العالم، لا أحد يسألني شيء، لا أعرف كيف ومن ولماذا...". خالد خليفة  سليل أسرة حلبية تتكون من 9 أشقاء و4 شقيقات يعمل بعضهم كأطباء ومهندسون، والباقون في التجارة. حلمت أمه يوماً أن يصبح ضابطاً في الشرطة، لكنه شعر منذ دراسته في المرحلة الثانوية أنه يجب أن يكون كاتباً، فهو يعشق الروايات وقد بدأ بكتابتها منذ أن كان عمره 24 عاماً. في سنة 1993، كتب نسخة بدائية من روايته “مديح الكراهية” تتألف من 100 صفحة ونشرها في مجلة “ألف” التي كان مدير تحريرها آنذاك، ثم ما لبث أن مزّقها وأعاد كتابتها من جديد. يعترف “أنها زادته معرفة وخبرة بتقنيات الكتابة الروائية”. له أربع روايات "حارس الحديقة" (1993)، "دفاتر القرباط" (2000)، "مديح الكراهية" (2006) وأخيراً "لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة" (2013 )، إضافة إلى تأليفه عدة مسلسلات للدراما السورية، أولها "سيرة آل الجلالي"، وآخرها "المفتاح".


يشعر خالد خليفة اليوم بالفخر لسببين، الأول إدراج روايته مديح الكراهية في قائمة List Muse مع ثلاثة من رواد الرواية في القرن العشرين الذين يعتبرهم أساتذته، ماركيز، فولكنر Faulkner، دوستويفسكي Dostoevsky . كان ينظر في صباه إلى رواياتهم بيأس ويقول لنفسه "من سيكتب أكثر من هذا الجمال؟". والسبب الثاني إدراج روايات لأدباء عرب كنجيب محفوظ وابراهيم عبد المجيد من مصر، والياس خوري من لبنان، على هذه القائمة، ما يكرس مقولته "إن الأدب العربي  لديه ما يقوله للعالم، وإن العرب هم شركاء في الحضارة الإنسانية وليسوا متلقين فقط، وها هي الروايات العربية تقدم اقتراحات تقنية وجماليات إنسانية جديرة بالقراءة والمتابعة".


لم يكن إدراج رواية “مديح الكراهية” التي صدرت عام 2006 في طبعتها الأولى واستغرقت كتابتها 13 عاماً وتمّ ترجمتها إلى سبع لغات عالمية منها الإنكليزية والفرنسية على لائحة List Muse الخطوة الأولى في تقدير هذا العمل الروائي. فقد تم اختيارها من هيئة التحكيم للجائزة العالمية للرواية العربية - بوكر في دورتها الأولى لعام 2008 ضمن لائحة المرشحين الستة لنيل هذه الجائزة، ووصلت عام 2013 إلى القائمة الطويلة لجائزة الإندبندنت Independent العالمية.


تتناول رواية “مديح الكراهية” صراع الأصوليات في مجتمعات مغلقة سياسياً في فترة الثمانينيات، وتحديداً أحداث مدينة حلب وحماه والصراع الدموي الذي دار بين جماعة الأخوان المسلمين والنظام السوري حينها، حيث دفع المدنيون الثمن عبر المجازر والاعتقالات، ودفعت مدينة حلب الجزء الأكبر من هذا الثمن. تدور أحداث الرواية في مدينة حلب مسقط رأس الكاتب التي قال لنا عنها "يبدو لي أن حلب لم تخرج مني بعد، رغم مغادرتي لها منذ 20 عاماً، ويؤلمني جداً ًحالها اليوم، فحجم الألم فيها باعتقادي يعادل حجم آلام جميع المحافظات السورية، وهي تدفع ثمن إهمال ومعاقبة النظام السوري لها لسنوات”. يضيف قائلاً “ظاهرة الأصولية التي انتشرت اليوم ستنتهي، فالشعب السوري يحمل قيماً مدنية في أعماقه، وسيبقى مخلصاً لها".


نجد بطلة الرواية تتحدث عن الكراهية بلذة شديدة. هي تبدي كرهها للقيم الإنسانية التي يدعيها الإنسان، كالفضيلة والحب والجمال والإخلاص والوطنية، وكرهها للطوائف ومصطلح الطائفية الذي ظهر في تلك الفترة. تكتشف أن الكراهية أيضاً جديرة بالامتداح كقيمة إنسانية موجودة داخل كل إنسان. هي الوجه الآخر للحب، ولكننا نخجل من كراهيتنا ونجاهر بالحب. من هنا يأتي اختيار الكاتب خالد خليفة، مديح الكراهية،  عنواناً لروايته كتصالح مع الذات.


أحداث الرواية تتشابه إلى حد كبير مع ما يجري اليوم في سوريا. يرى خليفة سبب هذا التشابه "إن النظام في سورية تعامل مع الأحداث منذ عام 2011 بنفس الطريقة التي تعامل بها في فترة الثمانينات. مارس القمع الشديد واستخدم نفس الأدوات، ناسياً أن ما يحدث اليوم ثورة، لا حزباً يصارعه. كما نسي أن مشكلة السوريين اليوم أصبحت أكبر ومطالبهم أكثر إلحاحاً، كالكرامة، وصعوبة الحصول على لقمة العيش، وإحساسهم بانعدام العدالة، لذلك نشعر عند قراءة رواية مديح الكراهية اليوم، كأنها كتبت عام 2013".


صدرت رواية جديدة للكاتب في مصر تحت عنوان “لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة”، ولكنه لم يتمكن من حضور حفل توقيعها بسبب منعه من السفر منذ مايو الماضي. يقول: "إن هذا لم يزعجني أبداً، فالكاتب السوري اعتاد أن يسير في حقل الألغام. حتى منع رواية “مديح الكراهية” من التوزيع في سورية لم يزعجني يوماً، فأنا أؤمن أن الكتب لها أجنحة وتستطيع الطيران. سأبقى في دمشق ولا أرغب بمغادرتها. لقد انتظرت هذه الثورة 40 عاماً ولن أدعها وحيدة. قد يكون وجودي غير مؤثر، لكن من المؤكد أن غيابي سيكون قاتلاً بالنسبة لي".

التعليقات

المقال التالي